الصفحة 125
دون قبيح والأول أولى والله تعالى فعل ذلك وأمر به لحسنه فلا يلزم فعل كل حسن من هذا النوع فلا يلزم من ذلك نصب الإمام المعصوم لأنا نقول:

بل يلزم هذا، فإنه إذا فعل الحسن لحسنه الذي هو غير واجب لزم منه فعل الواجب، والله تعالى حكيم، وقد بينا وجوب نصب الإمام عليه، وهذه الأمور من باب الأصلح، وقد فعلها مع حكمته وعنايته وترك الواجب، وهذا محال صدوره من حكيم حكمته لا تتناهى وأيضا فإنه إذا فعل الحكيم في الغاية العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات أمرا لغرض كهدي فعله للتقريب والتبعيد وهو ليس بعام ولا يحصل منه ما يحصل من المعصوم وهو عام ويحصل منه ما يحصل من هذا، وهذا موقوف على المعصوم أيضا وجب في الحكمة أن يفعل نصب المعصوم أيضا وهو المطلوب فإن الحكيم إذا قصد تحصيل غرض فعل ما يتوقف عليه قطعا (1).

الخامس والثلاثون: إن هذه المنافع، وهذا الشفقة وهو دعاء الرسول بلين وعفوه واستغفاره أمر عظيم ورحمة تامة لا يجوز تخصيص البعض بها دون البعض فيجب ذلك في كل عصر، ويستحيل من الرسول لأنه خاتم الأنبياء، فلا يأتي نبي غيره ولم يحصل البقاء في الدنيا، فلا بد من قائم مقامه متيقن متابعته له في أفعاله عليه السلام وليس ذلك إلا المعصوم فيجب في كل عصر (2).

____________

(1) ولو جاز إهمال نصب الإمام مع حسنه بل مع كونه أحسن لجاز إهمال بعثة النبي، فإن بعثة الأنبياء ما كانت إلا من ناحية الرأفة والرحمة واللطف والعلة واحدة في الجميع، فكيف يصح استعمالها في النبي وإهمالها في الإمام مع أن الحاجة من البشر واحدة والداعي من قبله عز شأنه واحد.

على أنه لا يمكن التفكيك بين الأمرين مع الاعتراف بأن وجود المعصوم أقرب إلى طاعة الناس وأبعد عن معاصيهم فإنه سبحانه يختار في كل أمر ما هو الأصلح لعباده، فلماذا يهمل الأصلح هاهنا وهو تقريبهم من الطاعة وتبعيدهم عن المعصية.

(2) ولو قيل: إن القائم مقامه شريعته الكتاب والسنة لقلنا قد سبق الجواب عن ذلك بأنهما غير كافيين في بيان كل ما يحتاج إليه الناس وما يتولد من شؤون لم يصرحا بها، هذا مع أن دلالتها محل للتنازع والخلاف بين الأمة، وبقول من يؤخذ وعلى رأي من يعتمد على أن الرسول صلى الله عليه وآله مصلح ناطق والكتاب والسنة مصلح صامت ولا يغني الصامت عن الناطق فلا بد من المصلح الناطق في كل زمان لأن الخلق كلهم شرع سواء في العطف واللطف والشفقة والرحمة من الخلاف اللطيف فكيف يخص زمنا وجيلا دون الأزمنة والأجيال الأخرى بعطفه ولطفه وهو اللطيف الرحيم في كل عهد مع كل جيل.


الصفحة 126
السادس والثلاثون: قوله تعالى: (إن الله يحب المتوكلين) وجه الاستدلال به أن نقول النفس الناطقة لها قوتان نظرية وعملية، ولها في كل منهما مراتب في الكمال والنقصان، أما النظرية فمراتبها أربع:

الأولى: العقل الهيولاني وهو الذي من شأنه الاستعداد المحض.

الثانية: العقل بالملكة وهو الذي من شأنه إدراك المعقولات الأولية، أعني البديهية والعلوم الضرورية.

الثالثة: العقل بالفعل وهو الذي من شأنه إدراك المعقولات الثانية، أعني العلوم الكسبية.

الرابعة: العقل المستفاد وهو حصول العقول اليقينية والعلوم مشاهدة عندها كالصورة في المرآة وهي غاية الكمال في هذه القوة إليه أشار أمير المؤمنين علي عليه السلام بقوله: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ".

وأما العملية، فأولها: تهذيب الظاهر باستعمال الشرايع النبوية والنواميس الإلهية.

وثانيها: تزكية الباطن من الملكات الردية.

وثالثها: تحلية السر بالصورة القدسية والتوكل لا يحصل إلا بهذه وذلك موقوف على المعصوم، لأنه اللطف المقرب إلى الطاعة والمبعد عن المعصية الموقوف عليه فعل المكلف به فيجب إذ صحة التوكل بدون فعل ما هو موقوف عليه وهو من فعله ولا يمكن من غيره يستلزم فعله من الحكيم قطعا، فثبت الإمام المعصوم (1).

____________

(1) ما ذكره طاب ثراه مبني على أسس فلسفية وأخرى أخلاقية وهذه وإن صحت إلا أنها أشبه شئ بالطرق البعيدة فالأحرى أن نقول في تقريب دلالة الآية على المطلوب، أن التوكل عليه المحبوب لديه لا نعرفه إلا من طريق المعصوم، فإنه مهما أرشدنا أحد إلى التوكل، ومهما عملنا شيئا بحسبان أنه التوكل المحبوب لا نجزم بأنه التوكل المحبوب لديه، ولما أن أخبر تعالى وجوده بأنه يحب المتوكلين عرفنا أنه نصب طريقا يعرفننا كيف التوكل الموصل إلى محبوبيته تعالى وإلا كيف يحب المتوكلين والناس لا تعرف التوكل الصحيح الذي يحببهم إليه فإنه عز شأنه ما ترك حجة عليه بل له الحجة البالغة على خلقه، فلا طريق لنا إذن إلى التوكل الموصل إلى محبوبيته تعالى إلا المعصوم فيجب، ولما إن كان ذلك في كل زمان وجب المعصوم في كل زمان.


الصفحة 127
السابع والثلاثون: التوكل لا يحصل إلا بثلاثة أشياء:

الأول: تنحية ما دون الحق عن يسير الايثار.

الثاني: تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لتجذب قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي.

الثالث: تلطيف السر للتنبيه أي تهيئته لأن يتمثل فيه الصور العقلية بسرعة ولأن ينفعل عن الأمور الإلهية، وأنما يحصل الأول بالزهد الحقيقي المقرب إلى الطاعة والمبعد عن المعصية، وذلك لا يتم إلا بالمعصوم كما تقدم وإنما يحصل الثاني بثلاثة أشياء.

الأول: بالعبادة المشفوعة بالذكر والفكر في الله تعالى لأن العبادة تجعل البدن بكليته متابعا للنفس، فإذا كان مع ذلك، النفس متوجهة إلى جناب الحق بالفكر صار الإنسان بكليته مقبلا على الحق وإلا فصارت العبادة سببا للشقاوة كما قال الله تعالى: (" فويل للمصلين " " الذين هم عن صلاتهم ساهون ") وبالعبادة تنجز النفس من جناب الغرور إلى جناب الحق.

الثاني: بالوعد والوعيد وبالزجر والمؤاخذة على فعل المعاصي والمدح على فعل الطاعات والتقرير، وذلك لا يحصل إلا بالمعصوم، فإن غيره لا تسكن النفس إليه ولا يحصل الاعتماد عليه فلا يحصل الغرض منه بل معاصيه وخطأه منفر عظيم عن قبول قوله فيحصل ضد الغرض.


الصفحة 128
الثالث: الكلام المفيد للتصديق بما ينبغي أن يفعل وعماذا ينزه من شخص تسكن النفس إليه ليجعلها غالبة على القوى ولا يحصل سكون النفس واعتمادها وتصديقها اليقيني الذي يجعلها غالبة على القوى إلا إذا كان زكيا يعلم منه الصدق يقينا ويعلم منه عدم صدور ذنب منه، فإن وعظ من لا يتعظ لا ينجع لأن فعله يكذب قوله، وذلك ليس إلا المعصوم وإنما يحصل الأول بشيئين:

الأول: الفكر اللطيف.

الثاني: جعل النفس لهيبة الله ذات خشوع ورقة منقطعة عن الشواغل الدنيوية معرضة عما سوى الحق جاعلة جميع الهموم هما واحدا وهو طلب وجه الله تعالى لا غير وهذا لا يحصل إلا بمعرفة طريقة يقينا وليس ذلك إلا من المعصوم كما تقدم من التقرير، فقد ثبت الاحتياج إلى المعصوم في هذه المراتب كلها إذا تقرر ذلك فنقول: قد وجد من الله تعالى القادر على جميع المقدورات العالم بجميع المعلومات إرادة التوكل فيريد ما يتوقف عليه لأن إرادة المشروط تستلزم إرادة الشرط، مع العلم بالتوقف واستحالة المناقضة فيجب نصب المعصوم في كل زمان لوجود القدرة والداعي وانتفاء الصارف فيجب وجود الفعل (1).

____________

(1) قد أوضحنا في التعليقة السابقة إن التوكل كما يريده الله تعالى ويحبه لا نحيط به ولا نتعرفه بدون وساطة المعصوم، هذا في ظاهر التوكل وبساطته وأما لو أخذناه على مراتبه العلية ومقامه الأسمى كما أشار إليه طاب ثراه، فهو أحرى أن نجهله ولا نفهمه، ولا تقول إنه هو بدون إرشاد المعصوم ودلالته، فإن هاتيك الفضائل العالية التي يتحلى المرء بها وتدنيه من جناب القدس وتبعده عن الرذائل السافلة التي يطرد بها عن حظيرة القدس ويجب أن يتخلى عنها هي أحرى وأولى أن لا تعلم إلا من طريق المعصوم، ومن أين للبشر معرفة تلك المراتب وقطع هاتيك المراحل التي تزل فيها الأقدام، وفيها الهوى إلى الحضيض الأسفل إن زلت القدم، فإن كل من أراد أن يرقى إلى هاتيك المعارج لا يحرز إنه ارتقى ووصل والغيب محجوب عنه ولعله يهبط إلى الحضيض وهو يزعم أنه يصعد إلى الرفيق الأعلى ومن الذي دله على صوابه وأيقن بوصوله إذا لم يكن الدليل المرشد معصوما فعسى أن يكون المرشد والمسترشد في خطأ، والذي يشهد للخطأ الملموس ادعاء المرشدية من الكثيرين وتخالفهم في الطريقة واختلافهم دليل على خطأ الجميع بدون استثناء أو باستثناء طريقة واحدة من بينها إن صح الاستثناء فكل طريقة نمر عليها يحتمل فيها الخطأ، فمن أين نجزم بإصابة المحق من التوكل وغيره باتباع هذه الطرق، فإذا اعتقدنا أنه عز شأنه يريد إصابة أحكامه وتنزيه عباده عن الرذائل وتزيينهم بالفضائل اعتقدنا أنه نصب لك الدليل المرشد المصيب وما هو إلا المعصوم، فإذا كان كذلك شأنه مع عباده في كل زمان فقد نصب لهم ذلك الدليل في كل زمان.


الصفحة 129
الثامن والثلاثون: اعلم أن القوة الحيوانية التي هي مبدأ الإدراكات والأفاعيل الحيوانية في الإنسان إذا لم يكن لها طاعة القوة العقلية ملكة كانت بمنزلة بهيمة غير مرتاضة تدعوها شهوتها تارة وغضبها تارة إلى لذائذ تهيجها القوة المتخيلة والمتوهمة بشيئين.

الأول: ما يتذاكرانه.

الثاني: ما يتأدى إليهما من الحواس تارة الظاهرة إلى ما يلائمها، وتارة ما لا يلائهما فتتحرك إليه حركات مختلفة حيوانية بحسب تلك الدواعي وتستخدم القوة العاقلة في تحصيل مراداتها فتكون هي إمارة تصدر عنها أفعال مختلفة المبادئ والعقلية مؤتمرة عن كره مضطربة، أما إذا منعتها القوى العقلية عن التخيلات والتوهمات والإحساسات والأفاعيل المثيرة للشهوة والغضب وأجبرتها على ما يقتضيه العقل العملي بحيث صارت تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه، ولا يصدر منها ما تقتضيه القوة الغضبية والشهوية من الفساد كانت العقلية مطمئنة لا يصدر عنها أفعال مختلفة المبادئ، وباقي القوى بأسرها مؤتمرة ومسالمة لها، وبين الحالتين حالات بحسب استيلاء إحديهما على الأخرى تتبع الحيوانية فيها أحيانا هواها عاصية للعاقلة، ثم تندم فتلوم نفسها وتكون لوامة، وقد جاء في القرآن الحكيم تسمية هذه النفس بهذه الأسامي إذا عرفت ذلك فنقول قد ظهر مما تحقق أن النفس المطمئنة هي التي لا يصدر منها ذنب أصلا والبتة واعتقاداتها صحيحة يقينية من باب العقل المستفاد فيجب أن تكون نفس الإمام من هذه، لأن هذا القسم موجود، وقد جاء التنزيل به فيستحيل أن يكون غير الإمام مع وجوده ولأن الإمام في كل عصر واحد خصوصا في غير المعصوم وفائدة الإمام منع النفسين الآخرين

الصفحة 130
عن متابعة القوى الحيوانية وحملهما على مطاوعتهما للقوة العقلية والعملية في كل وقت فلو كانت نفسه من إحدى النفسين أما الأولى والثانية لكان في حال غلبة القوى الحيوانية على نفسه لا يحمل النفسين الآخرين على مطاوعة القوة العقلية فيخلو ذلك الزمان عن فائدة الإمام وهو يناقض ما ذكرناه من وجوب حصول فائدته في كل زمان لاستحالة الترجيح من غير مرجح ووجود المقتضي في كل وقت وأيضا فإن هذا ليس في زمان واحد بل في أزمنة متعددة وإذا جاز خلوها عن فائدة الإمام وغايته جاز خلوها عن الإمام إذ انتفاء غاية الشئ يوجب تجويز انتفائه، فيجوز في كل زمان لاستحالة الترجيح من غير مرجح هذا خلف فيجب أن تكون نفس الإمام من القسم الثاني فيكون معصوما وهو المطلوب.

التاسع والثلاثون: رياضة النفس نهيها عن هواها وأمرها بطاعة مولاها وأكملها منع النفس عن الالتفات إلى ما سوى الحق تعالى ورضا الله عز وجل في جميع الأحوال والعقود والأحوال والأقوال وحملها على التوجه إلى الله تعالى ليصير الاقبال عليه والانقطاع عما دونه ملكة لها، ولما كان الإمام حاملا للناس على الأول وجب أن تكون هذه الرياضة التي هي أكمل الرياضات له وتلك هي العصمة.

الأربعون: العلة (1) في العدم إنما هو عدم العلة واختلال نظام النوع إنما هو معلول لعدم العصمة، فيكون نظامه وصلاحه إنما هو بالعصمة، لكن الإمام هو الناظم للنوع والحافظ لاختلاله والمصلح له، فيلزم أن يكون معصوما:

أما الأول: فقد تقرر في علم الكلام.

وأما الثاني: فلأن اختلال نظام النوع يحصل به لأن الإنسان مدني بالطبع لا يستقل بأمور معاشه وحده بل لا بد من معاون فيحتاج إلى

____________

(1) أي عدم العلة للوجود فإذا لم تحصل علة الوجود كان ذلك العلة في العدم.


الصفحة 131
الاجتماع وتدعو القوة الشهوية والغضبية إلى الجور على غيره فيقع بذلك الهرج والمرج ويختل أمر الاجتماع ولا يكفي تقرير الشرايع فإن ضعفاء العقول يستحقرون اختلال النافع لهم عند استيلاء الشوق عليهم إلى ما يحتاجون إليه بحسب الشخص فيقدمون على مخالفة الشرع وإهمال الثواب واستسهال العقاب الأخروي فنظامه وصلاحه إنما هو من أهل العصمة وهو المطلوب.

وأما الثالث: فلأن فائدة الإمام ذلك ولأنه إلى الرئيس لا إلى غيره، وهذا أمر ظاهر.

الحادي والأربعون: اللذات منها حيوانية ومنها عقلية، أما الحيوانية فكما يتعلق بالقوة الشهوية كتكيف العضو الذايق بكيفية الحلاوة وسواء كانت عن مادة خارجية أو حادثة في العضو عن سبب خارج، وكما يتعلق بالقوى الغضبية كتكيف النفس الحيوانية يتصور غلبة ما أو يتصور أذى حل بالمغصوب عليه، وكما يتعلق بالقوى الباطنة كتكيف الوهم بصورة شئ يرجوه أو بصورة شئ يتذكره وكذلك في سائرها، وهذه كلها خيالات حيوانية مختلفة وإدراكات حيوانية متفاوتة يتبعها اللذات بحسبهما، والجوهر العاقل له أيضا كمال ولذات وهوان يتمثل فيه ما يسبقه من الحق الأول بقدر ما يستطيعه لأن يعقل الأول على ما هو عليه غير ممكن للبشر بل لغير الله تعالى ثم ما يتعقله من صور مخلوقاته وأفعاله العجيبة أعني الوجود كله تمثلا يقينيا خاليا عن شوايب الظنون والأوهام، فإذا عرفت ذلك فنقول إن النفوس البشرية أكثرها مصروفة إلى تحصيل اللذات الحسية الحيوانية أكثرها بل بعضها مستغرقة أوقاتها، ثم بعضها محرم وبعضها مباح، والمباح منها أنما أبيح على جهة العدل بحيث لا يقع نزاع ويخرب النظام ولا يكفي الوعد باللذات والآلام الآجلة، فإن كثيرا من الجهال يستسهل ذلك في تحصيل مرامه، فلا بد من رئيس في كل عصر يلزم النفوس البشرية عدم تعدي العدل والوسط في هذه اللذات ويقرب من اللذات العقلية ولا بد أن يكون موثوقا من نفسه بأن لا يتعدى العدل ولا يأخذ من الملاذ إلا ما أبيح لها لا غير وإلا لكان سببا لتجري النفوس الباقية على ما لا يحسن ولا يجوز الاقتداء بالمعتدي وقد يتوقف

الصفحة 132
بلوغ لذاته على ذلك فيسامح ويجوز فتنتفي فائدته.

الثاني والأربعون: كل قوة تشتاق إلى كمالاتها المستتبعة للذاتها وتتألم بحصول أضداد تلك الكمالات، والنفس الإنسانية قد لا تشتاق إلى حصول كمالاتها ولا تتألم بحصول أضدادها، وذلك فوات لطف عظيم ومنافع لا تقاس بشئ غيرها وسبب فقدان الاشتياق وعدم التألم بالجهل اشتغال النفس بالملاذ الحسية وإهمالها الشرايع الإلهية، فلا لطف أهم من المقرب إليها والمبعد عن أضدادها إذا كانت موجودة كانت النفس مشتغلة بها فلم يحصل لها داع إلى الكمالات ولا التفات إليها لكنه مطلوب لله تعالى فيجب نصب الإمام وإلا لزم نقض الغرض.

الثالث والأربعون: فوات السعادة الأخروية الحاصلة من امتثال الأوامر الإلهية والامتناع عن النواهي الربانية، وفوات الثواب المؤبد يكون أما لأمر عدمي كنقصان غريزة العقل أو وجودي كوجود الأمور المضادة للكمالات فيها وهي أما راسخة وغير راسخة، وكل واحد منهما أما بحسب القوة النظرية، وأما بحسب القوة العملية، فتصير ستة أقسام:

الأول: ما يكون بحسب نقصان الغريزة في القوة النظرية.

الثاني: ما يكون بحسبها في القوة العملية ولا يكون بسبب ذلك عذاب.

الثالث: ما يكون لوجود أمور مضادة راسخة بحسب القوة النظرية وهو يكون سببا للعذاب الأخروي.

الرابع: ما يكون بسبب وجوده أمور مضادة غير راسخة في القوة النظرية.

الخامس: الأمور الراسخة في القوة العملية.

السادس: غير الراسخة بحسب القوة العملية فأسباب فوات الثواب أو حصول العذاب الأخروي منحصرة في هذه الستة، ولا فعل للإمام في الأولين بل هو

الصفحة 133
لطف في زوال الأربعة الباقية، فلا بد وأن لا يكون متصفا في وقت ما بشئ منها وإلا لم يكن لطفا في زوالها إذ مثل الشئ لا يكون علة في عدمه، وذلك هو المعصوم فإن الآخر إنما يكون بوساطة غواش غريبة عارضة مغارفة الذنوب تفعل في بعض الوقت فإذا تنزه عن الكل ذاته دائما ثبت العصمة.

الرابع والأربعون: الإمام الذي هو المقرب إلى السعادة الأخروية والنعيم المؤبد والمبعد عن استحقاق العقاب الأخروي مطلقا سواء كان دائما أو غير دائم لا بد أن يكون كاملا بحسب القوة النظرية وبحسب القوة العملية الكمال المطلق الذي يمكن للبشر فإنه لو كان ناقصا في إحديهما لم يحصل للتقريب والتبعيد المذكورين لجواز تقريبه مما ينبغي تبعيده عنه وتبعيده عما ينبغي تقريبه منه والكامل فيهما هو المعصوم إذ غيره ناقص فيمكن وجود أكمل منه، فلا يكون قد حصل له الكمال المطلق الممكن للبشر.

الخامس والأربعون: الإمام يجب أن تكون نفسه لها ملكة التجرد عن العلائق الجسمانية والشواغل البدنية واللذات الحيوانية بحيث لا يلتفت إليها ولا يشتغل بتحصيلها بل ما حصل منها من المباح له لا يكترث به، وإلى ذلك أشار الله تعالى بقوله: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) وقال أمير المؤمنين عليه السلام مخاطبا للدنيا " أبي تعرضت أم إلى تشوقت طلقتك ثلاثا " ونفسه متنقشة بالكمال الأعلى وحصل لها اللذة العليا إذ الداعي من جهة الله إلى ذلك والمنفر للخلق عن جميع ما يبعده عن الله تعالى على حسب ما أمر الله تعالى به من التحريم والكراهة والحث على الأفعال المقربة من هذا كالواجبات والمندوبات وإباحة ما لا يبعد ولا يقرب لو لم يكن كذلك لم يصلح لذلك وهو ظاهر، وإذا تقرر فنقول يجب أن يكون معصوما لأنه عالم بقبح القبيح، وبقبح ترك الواجب ومستغن عنه لا يتصور فيه حاجز القوة الشوقية والجسمانية، ولا الجهل لكماله في القوتين، وإذا انتفي الداعي وثبت الصارف امتنع منه فعل القبيح وترك الواجب، وهي العصمة وهو المطلوب.

السادس الأربعون: اعلم أن الناس طرفان وواسطة، الأول الفاجر الجاهل بالله تعالى من كل وجه، الذي لا يخشى الله من كل وجه.


الصفحة 134
الثاني: المعصوم الذي لا يخل بواجب ولا يفعل قبيحا ويكون عالما بالله تعالى على أنهى ما يكون للبشر علمه ويكون أخشى الخلق لله تعالى، فيكون أكمل الخلق في ثلاثة، الأول: علمه، الثاني: خشيته، الثالث: فعله - المراتب بينهما ولا تتناهى بعضها يكون أقرب إلى الأول، وبعضها أقرب إلى الثاني، والمحتاج إلى الإمام للتقريب والتبعيد الأول والثالث، وأما الثاني فقد يحتاج إلى تعريف الأحكام كاحتياج الحسن والحسين عليهما السلام إلى علي أمير المؤمنين في روايتهما ونقلهما إذا تقرر ذلك، فنقول: الإمام يجب أن يكون من الثاني، لأنه يحتاج إلى إمام آخر وإلا لزم التسلسل، والأول والثالث محتاجان فلا يجوز أن يكون منهما.

السابع والأربعون: الإمام أفضل من رعيته من كل وجه، ولا شئ من غير المعصوم أفضل من كل واحد ومن الكل من كل وجه فلا شئ من الإمام بغير معصوم أما الصغرى فلما يأتي، وأما الكبرى فلأن كل غير معصوم غير بالغ في الكمال إلى طرف النهاية الممكنة للبشر، فيمكن أن يكون من هو أكمل منه بل يوجد أكمل منه في شئ ما لأنه في حال ما لا بد وأن يكون في قوته العملية أو العلمية، وفي تلك الحال لا يجب موافقة الكل له في ذلك النقصان فيجوز أن يكون بعضهم في تلك الحال لم يوجد منه سبب النقصان قطعا، فيكون أكمل منه من وجه، وهو يناقض الكلية.

الثامن والأربعون: الإمام قادر على ترك القبيح ولم يوجد داعي الفعل منه ووجد الصارف فامتنع منه، أما الأول: فظاهر وإلا لم يكن مكلفا بترك فلا يكون قبيحا، وأما الثاني: فلأن الداعي هو تصور كمال في الفعل، أما للقوة الشهوية أو للقوة الغضبية أو للقوة الوهمية أو الجسمانية، وقد بينا أنه يجب أن يكون مجردا عن هذه الأشياء قليل المبالاة بها لا التفات له إليها البتة. وأما وجود الصارف فلأنه عالم بقبحه، ويعلم ما يستحق عليه من الذم والعقاب، لأنه يجب أن يكون عالما بجميع القبايح لأنه المبعد عنها ولأنه أعلم الناس بالله عز وجل لما تقدم، ولأنه الداعي للكل إليه ولا يدعو إلى الشئ إلا الأعلم به لاستحالة العكس، وقال الله تعالى: (إنما يخشى

الصفحة 135
الله من عبادة العلماء) والخشية التامة صارف عظيم، فإذا انتفى الداعي ووجد الصارف امتنع الفعل، وهذا معنى العصمة.

التاسع والأربعون: الناس في العلم بالله وحضورهم وعدم اشتغالهم عن الجانب الإلهي على ثلاثة أقسام:

الأول: الذي لا شعور له ولا حضور.

الثاني: الذي له الشعور التام للبشر أي الذي يمكن له لا في نفس الأمر، فإن ذلك لا يكون إلا لله تعالى والحضور التام الممكن للبشر، وهذا هو صاحب المحبة المفرطة لله تعالى المتلذذ بإدراكه في غاية اللذة الممكنة للبشر، ولذته به أعظم اللذات لأن اللذات تتفاوت في القوة والضعف بحسب إدراكه المؤثر من حيث هو مؤثر والمؤثر إنما هو بحسب كماله فإذا كان له الكمال الذي لا يتناهى كان مؤثر على جميع ما سواه فإذا كانت المعرفة به أتم كانت اللذة به وبطاعته أقوى اللذات ويكون متنفرا عن معصيته، غاية التنفر، فيكون ذلك معصوما قطعا.

الثالث: المراتب بينهما ولا تتناهى بحسب القرب من إحداهما والبعد عنه والمحتاج إلى الإمام إنما هو الأول والثالث لأنه المفتقر إلى المعاون الخارجي على طاعته والمبعد عن معصيته ويقرب من الثاني، فلا يكون الإمام منهما لأنه مستغن عن غيره ولا شئ منهما مستغن عن غيره، فيكون من الثانية وهو المطلوب، كما نقل من حال علي عليه السلام.

الخمسون: الإمام الذي له الرياسة العامة وحكم العالم بيده لا بد أن تجتمع فيه أربعة أشياء:

الأول: أن يكون نفسه كاملة، وإن كانت في الظاهر ملتحفة بجلابيب الأبدان لكنها في نفس الأمر قد خلعها وتجردت عن الشوائب وخلصت إلى العالم القدسي.

الثاني: أن يكون لهم أمور خفية هي مشاهدتهم لما تعجز عن إدراكه

الصفحة 136
الأوهام وتكل عن شأنه الألسن وابتهاجاتهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت كما قال الله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين).

الثالث: أمور ظاهرة عنهم آثار كمال وإكمال تظهر من أقواله وأفعاله.

الرابع: آيات تختص به من جملتها ما يعرف بالمعجزات والكرامات كقلع باب خيبر وما ظهر من الآيات على يد أمير المؤمنين علي عليه السلام وإخباره بالمغيبات وكذلك أخبار صاحب الزمان عليه السلام بذلك لدليل إجمالي وتفصيلي فلأنه مكمل للنفوس ومرقيها إلى هذه المراتب، فلا بد أن يكون منها، وأما التفصيلي.

أما الأول: فلئلا يغتر بالذات الجسمانية والقوى الشهوية والغضبية ولا يلتفت إليها في حال ليتمكن من اعتماد العدل المطلق في جميع أحواله وإنما احتاج إلى الثاني لتكون علومه من قبيل فطرية القياس المتسقة المنتظمة، فيعرف حكم الله تعالى في الوقايع جزما وليعلم الثواب والعقاب والمجازاة ويتنفر خاطره عما يبعده عن أمور الآخرة بالكلية ليكون مقربا إليها، وإنما احتاج إلى الثالث لأن الإمام هو الكامل المكمل وإنما احتيج إلى الرابع للعلم بصدقه وبعصمته وطاعة العالم له فإنهم لهذا أطوع إذا تقرر ذلك. فنقول:

متى تحققت هذه الأمور كان الإمام معصوما قطعا لأن عدم العصمة أعني صدور الذنب والخطأ، إنما هو لترجيح القوى الشهوانية واللذات الحسية على الأمور العقلية، فلا يكون قد حصل له الأول فعدم العصمة من عدم هذه الأشياء، فإذا ثبتت هذه الأشياء تثبت العصمة.

(حكاية ومنام)

يقول محمد بن الحسن بن المطهر حيث وصل في ترتيب هذا الكتاب وتبينه إلى هذا الدليل في حادي عشر جمادي الآخر سنة ست وعشرين وسبعمائة بحدود آذربايجان خطر لي أن هذا خطابي لا يصلح في المسائل البرهانية، فتوقفت في كتابته فرأيت والدي عليه الرحمة تلك الليلة في المنام

الصفحة 137
وقد سلاني السلوان وصالحني الأحزان، فبكيت بكاء شديدا وشكيت إليه من قلة المساعد وكثرة المعاند، وهجر الإخوان وكثرة العدوان، وتواتر الكذب والبهتان، حتى أوجب ذلك لي جلاء عن الأوطان، والهرب إلى أراضي آذربايجان، فقال لي: اقطع خطابك فقد قطعت نياط قلبي، وقد سلمتك إلى الله فهو سند من لا سند له، وجاز في المسئ بالاحسان فلك ملك عالم عادل قادر لا يهمل مثقال ذرة وعوض الآخرة أحب إليك من عوض الدنيا ومن أجرته إلى الآخرة فهو أحسن وأنت أكسب ألا ترضى بوصول أعواض لم تتعب فيها أعضاءك، ولم تكل بها قواك والله لو لم علم الظالم والمظلوم بخسارة التجارة وربحها لكان الظلم عند المظلوم مترجي وعند الظالم متوقي دع المبالغة في الحزن علي فإني قد بلغت من المنى أقصاها، ومن الدرجات أعلاها، ومن الغرف ذراها وأقلل من البكاء، فأنا مبالغ لك في الدعاء، فقلت: يا سيدي الدليل الحادي والخمسون بعد المائة من كتاب الألفين على عصمة الأئمة يعتريني فيه شك، فقال: لم، قلت: لأنه خطابي، فقال:

بل برهاني، فإن إرادة الشئ تستلزم كراهة ضده وقوة الكراهة وضعفها من حيث الضدية تابع لقوة الإرادة وضعفها وكراهة الشئ منافية لإرادته، فيمتنع الفعل والتزام القوانين الشرعية، وملازمة الأفعال التي هي كمال القوة العقلية مضادة لمتابعة القوى الشهوانية والغضبية على خلاف العدل لأن تلك تستلزم استحقاق المدح والثواب، وهذه تستلزم استحقاق الذم والعقاب وتنافي اللوازم يستلزم تنافي الملزومات والداعي إلى فعل المعاصي إنما هو توهم تكميل القوى البدنية الحيوانية، والإمام حافظ للعدل مطلقا في جميع الأحوال فإذا لم يحصل له ما قلنا كان له التفات ما إلى تكميل القوى البدنية، فلا يحيط العدل في جميع الأحوال فلا يصلح للإمامة، فإذا تجرد عن القوى البدنية لم يحصل له إرادة إلى تكميل قواه بإبلاغ القوة الشهوية والغضبية والحسية مقتضاها، فلا يريد المعاصي ومع حصول المشاهدات المذكورة يحصل له المواظبة على الطاعات والصارف عن المعاصي فتمتنع منه المعاصي، وهذا هو العصمة والعلم بعصمة وحاله يحصل من الرابع وطاعته أيضا به فيتعلق المآل وهو آثار الكمال والتكميل، وعند ذلك تتم فائدة الإمام.


الصفحة 138
اعلم يا ولدي أن وجود النبي لطف عظيم ورحمة تامة لا يعرفها أهل الدنيا ورحمة الله واسعة لا تختص بزمان دون زمان ولا بأهل عصر دون عصر آخر ولا يحصل البقاء السرمدي للبشر في دار الدنيا، فلا بد من وجود شخص قائم مقامه في كل عصر ولهذا قرن تعالى في: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) طاعته بطاعته فعليك بالتمسك بولاية الأئمة الاثني عشر فإنها الصراط المستقيم والدين القويم، هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك، ثم تولى عني ماشيا فوددت لو قبضت نفسي ولم تفارقه لكن الحكم لله الواحد القهار.

الحادي والخمسون: الإمام لا بد أن تجتمع فيه ثلاثة أشياء:

الأول: الإعراض عن الدنيا ولذاتها.

الثاني: المواظبة على فعل العبادات جميعها.

الثالث: التصرف بفكرة إلى عالم الجبروت مستديما لبروق نور الحق في سره لأنه طالب للحق ولأمور الآخرة وملزم للناس بها، فيلزمه الإعراض عما سوى الحق تعالى لا سيما لما يشغله عن الطلب وهو لذات الدنيا وطيباتها خصوصا المحرمة، ثم يقبل على ما يعتقد أنه يقربه من الحق وهو العبادات، وهذان كمال الزهد والعبادة ولا بد من دوام تصوره تعالى إذا تقرر ذلك فنقول: هذا يدل على عصمة الإمام عليه السلام للعلم الضروري بعصمة من اجتمع فيه هذه الأشياء.

الثاني والخمسون: الإمام يكون له حالتان، الأولى: محبة الله تعالى وهي راجعة إلى نفسه خاصة. الثانية: حركته في طلب القرب إليه وكلاهما يتعلقان به تعالى لذاته ولا يتعلقان بغيره لذات ذلك الغير بل إذا تعلقا بغير الله تعالى، فلأجل الله تعالى أيضا فهو يريد الله تعالى ومرضاته ولا يؤثر شيئا على عرفانه ومرضاته وتعبده له فقط، ولأنه مستحق للعبادة، ولأنها نسبة شريفة إليه لا لرغبة ولا لرهبة كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: " إلهي ما عبدتك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك "

الصفحة 139
لأنه لو لم يكن كذلك لم يمكنه حفظ العدل المطلق في جميع الأحوال والأزمان، وبالنسبة إلى كل الأشخاص وإذا كان كذلك في كل أقواله وأحواله فهو معصوم لا محالة لأن الحركة الاختيارية تابعة للشوق والإرادة، فإذا لم يؤثر ولم يشتق في حال من الأحوال إلى غير الله تعالى ومرضاته لم يصدر منه ذنب قط فكان معصوما.

الثالث والخمسون: الحركات الاختيارية موقوفة على مبادئ أربعة مترتبة الادراك، ثم الشوق المسمى بالشهوة أو الغضب، ثم العزم المسمى بالإرادة الجازمة ثم القوى المؤتمرة المثبتة في الأعضاء، فنقول الإمام له بالنسبة إلى المعاصي، المبدء الأول لأنه مكلف باجتنابه، فلا بد من إدراكه، وله الآخر أيضا وإلا لم يكن قادرا، بقي الثاني والثالث فنقول: لا بد من العلم بانتفاء الثالث عنه لأنه لو جوزناه عليه لجاز أمره به ولا يوثق بأنه المقرب إلى الطاعة والمبعد عن المعصية ولا يعتمد على قوله فتنتفي فائدته، وإنما يعلم بانتفاء الثالث عنه مع العلم بعصمته، والثاني منتف عنه أيضا لأنه يعرف ما يستحق عليها من العقاب ويستحقر ما يحصل بها للقوى البدنية من اللذة لما تقرر من أنه لا التفات له إلى الأمور البدنية والقوى الشهوانية بل يتخذها مستحقرة فإن حصلها كان على سبيل العدل والشرع وللتأسي به وليعلم الناس إباحتها وعدم كراتها لا غير ذلك، فيستحيل الشوق منه إليه، وإذا تعذر المبدءان امتنعت الحركة الاختيارية، فامتنع وقوع المعاصي منه فكان معصوما.

الرابع والخمسون: الإمام كلما لمح شيئا عاج منه إلى الله تعالى فهو يرى الله بعين البصيرة عند كل شئ وخشيته منه كاملة وإرادته لمرضاته في كل حال جازمة وإلا لم يصلح للتقريب في كل حال ولدعاء كل الناس إلى ذلك ولم يحفظ العدل المطلق فيستحيل منه الاخلال بواجب وفعل قبيح لاستلزام إرادة الشئ كراهة ضده فهو معصوم.

الخامس والخمسون: خشية الإمام وخوفه من الله تعالى يجب أن يكون في الغاية بحيث يستصغر كل شئ بالنسبة إليها، وتكون راجحة على كل

الصفحة 140
لذة أو مطلوب أو شهوة أو غضب فرضت في جميع الأوقات والأحوال حتى يحسن من الحكيم تحكيمه والأمر بطاعته وجعله مقربا إلى الطاعة ومبعدا عن المعصية، وحافظا للعدل التام فتحصل من ذلك الكراهة التامة للمعاصي وإرادة الجازمة للواجبات فلا يحصل معها الشوق إلى شئ من المعاصي والإرادة لها بل قد وجد الصارف فيستحيل فعلها فيكون معصوما.

السادس والخمسون: الإمام كلما لاحظ شيئا لاحظ غيره وإن لم يكن ملاحظته للاعتبار فسيخ له تعريج من عالم الزور إلى عالم الحق مستقر به حتى يتحقق منه حفظ العدل، وذلك يوجب له صارفا عظيما عن المعاصي فيكون معصوما.

السابع والخمسون: الإمام يكون سره مرآة مجلوة محاذاتها جانب الحق لأن له الكمال الأسنى حتى يحسن أمر الكل بتبعيته فترد عليه اللذات العلي فيستحقر القوى الشهوية والغضبية واللذات البدنية، ولا يحصل له شوق وإرادة إلى المعاصي البتة.

الثامن والخمسون: الإمام متوجه بالكلية إلى الحق عز وعلا لا يلاحظ نفسه إلا من حيث هي لاحظة لجناب القدس لأن له الرياسة العامة في أمور الدين والدنيا فيكون أكمل الكل في الكمالات الحقيقة لنفور النفس الكامل عن متابعة الأنقص منه ولقبحه في نفس الأمر فيستحيل إرادة المعاصي والشوق إليها منه ويستحيل ترك الواجبات فيكون معصوما.

التاسع والخمسون: الإمام له صفات:

الأولى: التفريق بين ذاته وبين جميع ما يشغله عن الحق بأعيانها.

الثانية: نقض آثار تلك الشواغل كالميل والالتفات إليها عن ذاته تكميلا لها بالتجرد عن ما سوى الحق والاتصال به.

الثالثة: ترك التوخي للكمال لأجل ذاته بل لذات الكمال ولذات الحق.


الصفحة 141
الرابعة: ترك اعتبار ذاته، فإذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق رأي كل قدرة لا نسبة لها إلى قدرته المتعلقة بجميع المقدورات، وكل علم لا نسبة له إلى علمه الذي لا يعزف عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فصار قدرة الحق بصره الذي به يبصر وسمعه الذي به يسمع، وقدرته التي يفعل بها، والعلم الذي يعلم منه تعالى، فلا يردع شئ منها عن مرضاته تعالى، لأن الإمام يجب أن يكون له الكمال الأسنى لما يأتي.

الستون: الإمام له حالتان، الأولى: أن يكون له القدرة بحيث لا يقدر مع الاشتغال بالحق على الالتفات إلى غيره لشدة الاشتغال به فقط، ويكون غافلا عما سواه كما نقل عن علي عليه السلام إنه إذا أرادوا إخراج نصل منه قصدوا أوقات مخاطبته لله تعالى.

الثانية: أن تفي القوة بالأمرين تتسع للحاستين فلا تكون الأمور الخارجية شاغلة إياه عن الحق ليكون أنفس الخلق في بهجة الحق، فدائما هو مراقب الحق وملاحظ بجنابه، وهذا أعظم الصوارف عن المعاصي.

الحادي والستون: الإمام إشجع الناس لما يأتي، وكيف لا وهو بمعزل عن تقية الموت وجواد، وكيف لا وهو بمعزل عن محبة الباطل وصفاح، وكيف لا ونفسه أكبر من أن يجرحها زلة بشر ونساء للأحقاد، وكيف لا وذكره مشغول بالحق، فيلزم من ذلك قهره للقوى الشهوية، وإلا لم يكن شجاعا والغضبية، وإلا لم يكن صفاحا، وللحقد وإلا لن يكن نساء للأحقاد، فلا يصدر عن هذه القوى مقتضاها، فلا يصدر منه ذنب لأن الذنب مصدر هذه القوى لا غير.

الثاني والستون: الإمام لا يلتفت إلى القوى البدنية والشهوية البتة في وقت ما وإلا لكان غيره في تلك الحال إذا لم يلتفت أفضل منه من هذه الجهة لكن الإمام أفضل من الكل في كل الأوقات من كل الجهات، وفاعل المعاصي لأجل ذاته ما لا غير فهو في تلك الحال ملتفت إلى ذاته معرض عن