الصفحة 142
جناب الحق، فلا شئ من الإمام بفاعل المعاصي.

الثالث والستون: الإمام نفسه دائما متوجهة بالكلية إلى طلب الحق والصواب في جميع الأشياء، وإلا لم يصلح للعدل في كل الأوقات فلا يتحرك القوى البدنية إلى يضاد ذلك لوجود هيئة راسخة في النفس تقتضي ضدها، فلا يمكن صدور ذنب منه أصلا والبتة، وهو المطلوب.

الرابع والستون: قوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) وإنما يحسن بعد إعلام الأحكام في كل واقعة، وإنما يتم بالمعصوم في كل عصر كما تقدم تقريره.

الخامس والستون: قوله تعالى: (يا أيها الذين اتقوا ربكم) والتقوى التنزه عن الشبهات ومن جملة الشبهات اعتماد قول غير المعصوم، فلا يجوز تكليفه بطاعته وأيضا فالتقوى موقوفة على المعصوم إذ منه يحصل الجزم بالأحكام والأمر بالشئ مع الاخلال بشرطه الذي هو من فعل الأمر لا المأمور لا يحسن من الحكيم لأنه نقض الغرض وتكليف بما لا يطاق.

السادس والستون: قوله تعالى: (واتقوا الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) هذا يدل على وجوب الاحتراز في كل الأحوال لأنه تعالى رقيب دائما وهو عبارة عن الأمر بالتحري وقصد الثواب في كل الأحوال والوقائع ولا يتم ذلك بدون المعصوم إذ غير المعصوم لا يتوقع منه الصواب في كل الأحوال.

السابع والستون: قوله تعالى: (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) هذا الدليل يبني على مقدمات:

الأولى: إن فعل غير الصواب في واقعة ما تبدل الخبيث بالطيب.

الثانية: إن هذا النهي عام في الأحوال والوقائع والأشخاص والأزمان وهو إجماعي.

الثالثة: إن غير المعصوم يأمر بالباطل ويشتبه على الناس.


الصفحة 143
الرابعة: الاحتراز عن الضرر المظنون واجب.

الخامسة: اعتماد قول غير المعصوم متوقع منه تبدل الخبيث فيمتنع قبول قوله إذا تقرر هذا فنقول: هذا الأمر يستلزم نصب المعصوم، فيجب بالنظر إلى هذا الأمر لما تقدم، ولأنه يصدق غير المعصوم لا يجب قبول قوله في الجملة، وكل إمام يجب قبول قوله دائما ينتج لا شئ من غير المعصوم بإمام.

الثامن والستون: الإمام هاد دائما في كل الوقائع والشبهات، وكل من كان كذلك فهو معصوم ينتج أن الإمام معصوم، أما الصغرى فظاهرة، وأما الكبرى فلأن كل هاد للكل في كل الوقايع والحوادث خصوصا في الأحكام الشرعية فإنه يهديه، ولا شئ من غير المعصوم يهديه الله، أما الصغرى فظاهرة، وأما الكبرى، فلأن غير المعصوم ظالم لما مر ولا شئ من الظالم يهديه الله تعالى لقوله تعالى: (والله لا يهدي القوم الظالمين).

التاسع والستون: قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك هو الفوز العظيم) الطاعة المطلقة إنما تحصل من المعصوم ولأن طاعة الله تعالى في كل الأمور مطلوبة لله تعالى، ولا يعلم إلا من المعصومين فيجب.

السبعون: قوله عز وجل: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خلدا فيها وله عذاب مهين) لا يصلح للإمامة ولا يتبع إلا من يعلم انتفاء هذه الصفات فيه وليس إلا المعصوم ولأن الاحتراز عن المعاصي لا يعلم إلا من المعصوم فيجب لاستحالة طلب الشرط مع عدم فعل المشروط به من فعله.

الحادي والسبعون: قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم) والبيان بالمعصوم كما تقدم فيجب.


الصفحة 144
الثاني والسبعون: قوله تعالى: (ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما) هذه صفة ذم ومنع عن اتباعهم وهم غير المعصوم، لأن المتبع للشهوات فلا يجوز اتباعه مطلقا احترازا عن الضرر المظنون، والإمام يجب اتباعه ولا شئ من غير المعصوم بإمام.

الثالث والسبعون: الإمام لا يقيم غيره عليه الحدود وإلا لسقط من القلوب محله، ولأنه المتغلب على الرعية كلهم ويقهرهم ولا هو على نفسه وهو ظاهر، ولأنه إذا كان يفعل الذنوب لإبلاغ القوى الشهوية مقتضاها فدفع الآلام عنه أولى منه ولأن التكليف في الحد على المحدود بالتمكن والطاعة للمقيم لا بأن يكون فاعلا للإقامة إجماعا وكل مذنب فلا بد من مستحق للإقامة عليه الحد، وإن لم يتمكن فهو عدم التمكن من المكلفين لا منه ولا من الله تعالى، ولأن وجوب إقامة الحد لا على مقيم إجماعا محال إذا تقرر ذلك، فنقول: الإمام يستحيل عليه الذنب لأنه لو جاز عليه الذنب فلا يخلو أما أن لا يجب إقامة حد عليه، وهو باطل قطعا، وأما أن يجب، فأما أن يكون المقيم غيره وهو محال للمقدمة الأولى، وأما نفسه وهو باطل لتغاير القابل والفاعل إجماعا هنا.

الرابع والسبعون: الذنوب حادثة فلها فاعل قطعا، ولها مانع وهو ظاهر، والمانع مغاير للفاعل قطعا لأن المانع هو المستلزم للعدم والفاعل أثره الوجود وتنافي الآثار أو اللوازم يدل على تغاير المؤثرات والملزومات إذا تقرر ذلك، فنقول الإمام مانع من كل المعاصي في جميع الأوقات والأحوال لجميع الناس مع عدم مانعه وحصول شرائطه والموانع لا يجوز أن تكون منه بل من أمر خارج عنه، وإلا لما يصلح للمانعية فالشرائط والموانع من قبل الله تعالى ومن قبل الإمام كلها حاصلة وإلا لكان المقرب مبعدا والمبعد مقربا فإذا كانت شرائط المنع وزوال المانع عنه جميعا حاصلة فلا يجوز أن يكون سببا فيها منه، وإلا لكان المانع سببا هذا خلف.

الخامس والسبعون: الإمام مخرج للمحل عن قبول المعصية، فلا يجوز أن يكون قابلا لها فيمتنع.


الصفحة 145
السادس والسبعون: الإمام سبب الطاعات وجميع الشرائط من قبله حاصلة والموانع من ذاته وعوارضه النفسانية والبدنية زايلة، فمحال أن يخل بشئ من الواجبات وذلك هو المطلوب.

السابع والسبعون: الإمام مانع لسبب المعصية، فلا يكون سببا لها بوجه وإلا لكان المانع من الشئ سببا له هذا خلف.

الثامن والسبعون: علة وجود الطاعة وعدم المعصية في الإمام موجودة والمانع منتف والشرائط حاصلة، وكلما كان كذلك وجب وجود الحكم وهو اقتناع المعصية ووجوب الطاعات، أما الصغرى: فأما وجود العلة فلأن الإمام علة للتقريب من الطاعة والتبعيد عن المعصية في غير محلها، ففي محلها أولى لأن المانع من الشئ مناف له وإذا كان في غير محله ففي محله القابل لهذا الحكم أولى وكذا التقرير وهذا حكم ضروري، وأما عدم المانع فلأن المانع أما عدم علم الإمام بصدور ذلك من الفاعل إذ لا يتحقق عدم علمه بالحكم، وأما مقاهرة الفاعل بحيث لا يتحقق قدرة الإمام على منعه لسبب انفكاك يده، لأنه لو علم به وتمكن من مقاهرته وأهمل لزم الاخلال بالقصود منه، فلا يصلح لذلك وكلا المانعين ممتنعان في حق نفسه إذ لو لم يكن له قدرة على الامتناع عن المعصية لزم تكليف ما لا يطاق، وهذا محال وأما وجود الشرائط فلوجوب تحققها من طرف الإمام وطرف الله تعالى، وإلا لكانت الحجة للمكلفين، ولأنه إجماعي قطعي...

التاسع والسبعون: الإمام علة في تقليل المعاصي، فلو وجدت منه لكان علة لكثرتها.

الثمانون: قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) لا يصلح لولاية الإمامة إلا من تيقن نفي هذه الصفة منه وليس إلا المعصوم.

الحادي والثمانون: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) إلى قوله تعالى: (وكان

الصفحة 146
ذلك على الله يسيرا) وجه الاستدلال بها من وجهين:

الأول: إن معرفة الحق الذي يؤكل به المال لا يكون إلا من الإمام المعصوم لما بين غير مرة فيجب نصبه.

الثاني: قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك عدونا وظلما فسوف نصليه نارا) هذه صفة ذم لا يجوز أن يتبع من هي فيه ولا أن يكون إماما وإنما يعلم انتفاؤها عن المعصوم، فلا يجوز اتباع غير المعصوم.

الثاني والثمانون: قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) الآية هذه إنما تعلم من المعصوم لما تقدم تقريره.

الثالث والثمانون: قوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) هذا خطاب للإمام عليه السلام وتحكيم له وتحكيم غير المعصوم لا يجوز من الحكيم، ولأن تفويض نصب الإمام إلى الأمة يؤدي إلى تعطيل الأحكام لإفضائه إلى التنازع وعدم الاتفاق على إمرة واحد لعسره كما تقدم.

الرابع والثمانون: قوله تعالى: (إن الله لا يجب من كان مختالا فخورا) يجب الاحتراز عن اتباع من يمكن فيه هذه الصفة لأنه احتراز عن الضرر المظنون وهو غير المعصوم فلا يصح أن يكون إماما.

الخامس والثمانون: قوله تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ماءاتهم الله من فضله) لا يجوز اتباع كل من يمكن هذه الصفة فيه وهو غير المعصوم: فلا يجوز أن يكون إماما.

السادس والثمانون: قوله تعالى: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس هذه صفة ذم ومنع عن اتباعه، وغير المعصوم يحتمل ذلك منه فلا يجزم بقوله ولا بصحة فعله، فلا يصلح للإمامة.

السابع والثمانون: قوله تعالى: (ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) وغير المعصوم الشيطان له قرين قطعا وما يعلم في أية حالة يسلب عنه

الصفحة 147
فيجب الاحتراز عنه فلا يصلح للإمامة.

الثامن والثمانون: الإمام لنفي فعل الشيطان وإزالة أقرانه وغير المعصوم لا يصلح لذلك فلا يصلح للإمامة.

التاسع والثمانون: قوله تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) وجه الاستدلال أن الإمام يحكمه الله ولا شئ من المعصوم يحكمه الله تعالى ينتج لا شئ من الإمام بغير معصوم، وأما الصغرى فظاهرة، وأما الكبرى فلأن تحكيم الظالم ظلم ما ولا الشئ من الظلم بصادر من الله تعالى بهذه الآية، فلا شئ من غير المعصوم يحكمه الله تعالى.

التسعون: الإمام أمر الله بطاعته في جميع أوامره ونواهيه ولا شئ من غير المعصوم أمر الله بطاعته في جميع أوامره ونواهيه، فلا شئ من الإمام بغير معصوم أما الصغرى فلقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وهو عام في جميع الأوامر والنواهي اتفاقا ولتساوي المعطوف والمعطوف عليه في العامل، فالطاعة هنا المراد بها في جميع الأوامر والنواهي فيكون في أولي الأمر كذلك، وأما الصغرى فلأن امتثال أمر الظالم في جميع أقواله وأوامره ونواهيه ظلم ما وهو منفي بهذه الآية لاقتضائها السلب الكلي وهو نقيض الموجبة الجزئية.

الحادي والتسعون: قوله تعالى: (وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) هذا حث عظيم على فعل الحسنات وإنما يعلم من المعصومين كما تقدم فيجب.

الثاني والتسعون: إن الله عز وجل يريد فعل الحسنات من العباد، وإنما يتم بالمعصوم لما تقدم من أنه لطف يتوقف فعل المكلف به عليه وهو من فعله تعالى فيجب فعله وإلا لكان نقضا للغرض.

الثالث والتسعون: قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) وإنما تتم الحجة عليهم والغرض بنصب الإمام المعصوم في كل زمان، لأنه الطريق إلى معرفة الأحكام الشرعية، وامتثال

الصفحة 148
الأوامر الأهلية فيجب.

الرابع والتسعون: قوله تعالى: (يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض) معناه يود الذين كفروا ويود الذين عصوا الرسول هذه صفة ذم تقتضي أنه لا يجوز اتباع من يعصي الرسول غير المعصوم يعصي الرسول فلا يجوز اتباعه فلا يصلح للإمامة.

الخامس والتسعون: هذه تحريض على الاحتراز عن مخالفة أوامر الرسول ونواهيه وذلك موقوف على معرفتها بالتحقيق وبعين اليقين، ولا يتم إلا من المعصوم فيجب نصبه لاستحالة التحذير التام من الحكيم وعدم نصب الطريق إليه.

السادس والتسعون: كلف الله تعالى في هذه الآية بامتثال أوامر الرسول ونواهيه والمعصوم لطف فيها فيجب لأنا بينا في علم الكلام أن التكليف بالشئ يستلزم فعل شرايطه، واللطف فيه الذي هو من فعل.

المكلف، وبينا أن الإمام المعصوم لطف يتوقف عليه فعل المكلف به الواجب فيجب.

السابع والتسعون: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) الآية، لا يجوز اتباع من يحتمل فعل ذلك منه وغير المعصوم كذلك فلا يجوز اتباعه فلا يصلح للإمامة.

الثامن والتسعون: الإمام هاد إلى السبيل يقينا ولا شئ من غير المعصوم بهاد إلى السبيل يقينا، فلا شئ من الإمام بغير المعصوم، أما الصغرى فظاهرة لأن الإمام للتقريب إلى الطاعة والتبعيد عن المعصية وهي الهداية، وأما الكبرى فلأنه يمكن أن يضل السبيل ولا يأمر بما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية.

التاسع والتسعون: قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل) وجه الاستدلال إن الإمام يجب له الصارف عن إضلال السبيل ويمتنع عليه ذلك، وإلا لم يجزم

الصفحة 149
بقوله ولا يعتمد على أمره ولاحتمال دخوله في هذه الآية وهي تقتضي الاحتراز عن اتباعه فتنتفي فائدته ولا شئ من غير المعصوم كذلك، لأن له دلالة الدواعي إلى ذلك والعصمة الموجبة لمنعه منتفية، فيكون ذلك ممكنا فيه.

هذا آخر الكلام في الجزء الأول من كتاب الألفين الفارق بين الصدق والمين فرغ من تسويده مصنفه حسن بن يوسف بن المطهر الحلي في العشرين من ربيع الأول لسنة تسع وسبعمائة ببلدة دينور وفرغ من تبييضه ولده محمد بن الحسن بن يوسف بن مطهر في سادس جمادي الأولى لسنة ست وعشرين وسبعمائة بعد وفاة المصنف.


الصفحة 150

الصفحة 151

المائة الثالثة

الأول: قوله تعالى: (والله أعلم بأعدائكم) وجه الاستدلال أن الأعداء يكونون هادين وكل غير المعصوم يحتمل أن يكون عدوا، فلا يجوز أن يجزم بكونه هاديا ووليا وكل إمام يجزم بكونه غير عدو بل يعلم أنه هاد، وأنه ولي فلا شئ من غير المعصوم بإمام وهو المطلوب.

الثاني: قوله تعالى: (وكفى بالله وليا) هذا يدل على غاية الشفقة واستحالة إهمال الألطاف المقربة إلى الطاعات، والمبعدة عن المعاصي، ولا يحصل إلا بالمعصوم وكيف يتحقق من الحكيم أن ينص على أنه الولي، والولي هو النصير المتصرف في المصالح ويخلي من اللطف العظيم الذي هو المعصوم الذي به تحصيل السعادة الأخروية والخلاص من العقاب السرمد، وبه يعرف الصواب من الخطأ.

الثالث: قوله تعالى: (وكفى بالله نصيرا) ليس المراد في أمور الدنيا وحدها إجماعا، بل أما في الآخرة أو فيهما وإنما يتحقق بإعطاء جميع ما تتوقف عليه الأفعال الواجبة وترك المحرمات من الألطاف والمقربات خصوصا التي هي من فعله وأولاها بذلك المعصوم، فإنه لا يقوم غيره مقامه وكل نصرة محتقرة في جانب جعل المعصوم والدلالة عليه.

الرابع: قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي

الصفحة 152
من يشاء) وجه الاستدلال أن تقول الزكاة هي الطهارة، وكل ذنب رجس، فأما أن يكون المراد الزماة من بعض الذنوب، فالكل مشترك فيه ولأنه لا يسمى مزكى فبقي أن يكون من كلها وهو المطلوب لأنه عبارة عن العصمة ولأنه يستحيل أن يزكي الله غير المعصوم.

الخامس: قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقنطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب) هذه صفة ذم تقتضي المنع من اتباع المتصف بها وكل غير معصوم متصف بها.

السادس: إن حب الشهوات والقناطير المقنطرة مجبول في طبيعة الإنسان ولا يكفي العقل الذي هو مناط التكليف في دفعه ومانعيته، فلا بد من رئيس دافع ومانع لذلك وإن لم يكن معصوما كان من هذا القبيل فلا يصلح للمانعية.

السابع: قوله تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد) وجه الاستدلال إن التقوى في ارتكاب الطريقة القويمة يقينا ولا يعلم إلا من المعصوم لما تقدم تقريره غير مرة.

الثامن: التقوى موقوفة على المقرب إلى الطاعات والمبعد عن المعاصي وهو المعصوم فيجب.

التاسع: الذي يفهم من هاتين الآيتين إن الثاني يحصل بترك ما زين لهم من حب الشهوات إلى آخره، ولا تكفي القوة العقلية التي هي مناط التكليف في الناس، وهو ظاهر فلا بد من مانع للشهوة وهو الإمام المعصوم لما تقدم.

العاشر: التقوى الحقيقية التي لا تخالطها معصية البتة موجودة بهذه الآية هي العصمة.


الصفحة 153
الحادي عشر: قوله تعالى: (والله بصير بالعباد) وجه الاستدلال أنه لا بد من الجزم بصحة أخبار الإمام وعدم إخلاله بشئ من الشرع وتيقن هدايته، وأنه يستحيل عليه الاخلال ولا بصير بالعباد إلا الله تعالى، فإن هذه الآية مفيدة للحصر إجماعا، فلا بد من جعل طريق لنا إلى علم ذلك، وليس إلا العصمة فيجب عصمة الإمام.

الثاني عشر: قوله تعالى: (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) وجه الاستدلال إن هؤلاء تثبت لهم صفة المدح المطلق دائما، فالمراد أما الصابرين والصادقين إلى آخره في البعض أو في جميع الأحوال عن جميع المعاصي وعلى جميع الطاعات، والأول باطل وإلا لم يثبت لهم المدح المطلق ولاشتراك الكل فيه فلا يوجب تخصيصا في المدح، والثاني هو المعصوم فثبت فيستحيل أن يكون الإمام غيره وهذه الآية عامة في جميع الأزمنة ولا تخص الرسل.

الثالث عشر: قوله تعالى: (وما اختلف الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما جائهم العلم بغيا بينهم) وجه الاستدلال إن اختلف نكرة، وقد وقعت في معرض النفي فيعم فليزم إن كل اختلافهم بعد العلم بغيا، بينهم، وإنما يتحقق ذلك لو كان لهم إلى العلم طريق، وقد بينا وجوب المعصوم في ذلك الطريق، فيلزم ثبوته وليس لطفنا أقل من لطفهم.

الرابع عشر: قوله تعالى: (ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) وجه الاستدلال إن المقصود من ذلك التحذير من فعل الشر والتحريض على فعل الطاعة ولا يتم الغرض من ذلك إلا بالمعصوم لما تقدم من كونه لطفا يتوقف حصول الغرض من التكليف عليه، فيجب نصبه وإلا لزم نقض الغرض.

الخامس عشر: إنما يحسن مجازاتها على فعل القبيح فعل جميع الشروط التي هي من قبله تعالى والتمكين التام وأعظم الشرائط المعصوم فقبله لا يحسن.


الصفحة 154
السادس عشر: القوة الشهوية والغضبية ليستا بمقدورتين لنا وفائدتهما إنه لولا هما لم يكن في التكليف كلفة ومشقة ولكان الفعل والترك متساويين بالنسبة إلى القدرة ولا مرجح لفعل القبيح إلا هما، فإن انتفتا كان فعل القبيح بمجرد قبحه وكشف الشرع له قريبا من الممتنع، فلم يحتج إلى التحذير التام والزجر الوافر الأقسام، فاقتضت الحكمة خلفهما والعقل لا يفي بترجيح ترك مقتضاهما، فإنهما أغلب في أكثر الناس وطاعة كثير من الناس للقوى الوهمية أكثر من طاعتهم للقوى العقلية، فلولا وجود شئ آخر يقتضي ترجيح ترك مقتضاهما لكان فعل مقتضاهما يقرب من الالجاء والاكراه، فما كان يحسن العقاب على فعل المعاصي، وليس المعاون للعقل قوة داخلية بل لا بد من الانتهاء إلى من يتمكن من دفع شهوته بقوته العقلية وتكون القوة العقلية فيه وافية بذلك، وذلك هو المعصوم لوجود المانع من فعلها، ومع وجود المانع لا تأثير للسبب.

السابع عشر: لو لم يكن معصوما لكانت قوته الشهوية غالبة عليه، فلا يصلح للمانعية.

الثامن عشر: الناس على ثلاثة أقسام طرفان وواسطة:

الأول: من قوته العقلية وافية بمعارضة القوة الشهوية بحيث لا يرجح مقتضى القوة الشهوية ويفي بمنعها دائما.

الثاني: من قوته الشهوية غالبة دائما.

الثالث: من تفي قوته العقلية بالمنع في وقت دون وقت.

الأول: هو المعصوم. والثاني: هو الفاجر الداخل تحت قوله تعالى:

(ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ولهم عذاب عظيم) فإن أبصارهم كلما أبصرت التغير المقتضي للتفكر في آثار رحمة الله وغضبه المقتضية للانزجار منعتها القوة الشهوية وكذلك سمعهم كلما وردت عليه الأوامر والنواهي والمواعظ والدلائل المقتضية للانزجار منعته القوة

الصفحة 155
الشهوية وغلبت عليه، وهذا ليس من القوة الشهوية خاصة بل من إهماله القوة العقلية وعدم التفاته إلى مقتضاها.

والثالث: الثابت المؤتمر ويعبر عن النفس الأولى بالمطمئنة، وعن الثانية بالأمارة، وعن الثالثة باللوامة كما نطق به الكتاب العزيز فالإمام يستحيل أن يكون من الثاني قطعا، ويستحيل أن يكون من الثالثة لأنه أما تجب طاعته وامتثال أوامره دائما في جميع أحواله وهو محال وإلا لزم كون الخطأ صوابا والأمر بالمعصية والتناقض المحال عقلا بالضرورة، وأما أن يجب امتثال أوامره ونواهيه في حال غلبة القوة العقلية على القوة الشهوية خاصة دون غيرها من الأحوال وهو محال لوجوه.

الأول: إنه حال قوته الشهوية لا بد له من رئيس مانع لتلك القوة لاستحالة خلو الزمان عنه ومحال أن يكون هو محتاجا إلى رئيس آخر حاله كما ذكر فيقع الخبط والهرج.

الثاني: أن يكون حينئذ محتاجا إلى رئيس عليه في تلك الحالة لأن علة الاحتياج إلى الرئيس ونصبه هو غلبة القوة الشهوية في بعض الأحوال وذلك الرئيس يكون حاله كذلك فيلزم، إما التسلسل أو الدور والهرج وانتفاء الفايدة.

الثالث: الرئيس إذا كان إنما تجب طاعته في حال ما لا يحصل للمكلف اليقين بقوله ويجوز في كل حال أن تكون هي تلك الحالة فلا يتبعه فتنتفي فائدة نصبه لعدم الوثوق به.

الرابع: يلزم إفحامه لأنه يقول له المكلف لا يجب علي اتباعك حتى أعرف إن تلك الحالة هي حالة غالبة القوة العقلية، وإن ما تقوله صواب ولا أعرفه إلا بقولك، وقولك ليس بحجة دائما ولا أعرف إن هذه الحالة هي حالة حجية قولك فينقطع الإمام لا يقال لم لا يجوز معرفة قوله بالاجتهاد سلمنا، لكن لم لا يجب قبول قوله كقبول فتوى المفتي فإنه يجب على المقلد دائما قبول قوله، وإن لم يكن معصوما لأنا نقول أما الاجتهاد فإنه يلزم إفحامه

الصفحة 156
أيضا لأنه إذا لزم المكلف له أن يقول إني اجتهدت وأدى اجتهادي إلى عدم وجوب قبول قولك في هذه الحالة فينقطع وفايدته إلزام المكلف، وأما وجود قبول قوله كالمفتي فهو باطل لوجوه:

الأول: إن قبول قول المفتي إنما هو على العامي الذي لا يتمكن من معرفة الصواب من الخطأ بالاجتهاد، أما من يتمكن فإنه لا يجب عليه قبول اجتهاد آخر.

الثاني: إنه راجع إلى القسم الأول الذي أبطلناه من وجوب طاعته في جميع الأحوال.

الثالث: أما أن يكون إماما بالنص أو بغيره، والأول يستحيل منه تعالى إيجاب قبول قول من يجوز عليه الخطأ في جميع الأحوال وعلى جميع التقادير والثاني مع الشك أما أن تخير المكلف كالمفتي فيلزم الهرج وإثارة الفتن فيلزم منه محالات وأما أن لا يتخير، فأما أن يكون مكلفا بالاجتهاد فيلزم مع الهرج وإثارة الفتن إفحام الإمام ولأن الاجتهاد ليس عاما، وأما لأنه فيلزم تكليف ما لا يطاق والكل محال، فتعين أن يكون الإمام من القسم الأول وهو المطلوب.

التاسع عشر: قوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) وإنما يحسن ذلك بخلق جميع الألطاف المقربة والمبعدة وأهمها المعصوم فيجب.

العشرون: قوله عز وجل: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا أو ما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) وإنما يتم ذلك بمعرفة القبيح والحسن، فيجب وضع طريق يقيني وإنما يتم بالمعصوم كما تقدم في كل زمان فيجب وأيضا فلا يتم إلا بالمقرب إلى الطاعة والمبعد عن المعاصي وذلك هو المعصوم فيجب.

الحادي والعشرون: حكم الله بأنه رؤوف بالعباد فيجب من ذلك فعل الألطاف الموقوف عليها فعل التكليف وكل لطف وكل نعمة فهي بالنسبة إلى

الصفحة 157
نصب المعصوم صغيرة مستحقرة وأعظم النعم وأهم الألطاف المعصوم في كل زمان فيجب ممن بالغ في وصف نفسه بالرأفة والرحمة نصبه.

الثاني والعشرون: قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) اتباعه عليه السلام إنما يتم بأمرين أحدهما معرفة الأحكام الشرعية بطريق يقيني إذ غيره لا يجزم باتباعه فيه ولا بد من طريق إلى العلم وثانيهما المقرب من أفعاله والمبعد عن مخالفته وكلاهما لا يحصل إلا بإمام معصوم في كل زمان فيجب.

الثالث والعشرون: قوله تعالى: (والله غفور رحيم) فغفور فعول للمبالغة ومع عدم نصب طريق يفيد العلم اليقيني بقبح القبايح وحسن الحسن وخلق اللطف المقرب والمبعد لا يتم هذا فيجب المعصوم.

الرابع والعشرون: قوله عز وجل: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين) أقول المراد الطاعة في جميع الأوامر والنواهي وإنما يتم ذلك علما وعملا بالمعصوم، كما تقدم فيجب، وجعل التولي عن الطاعة كالكفر ولا يتم ذلك إلا بطريق يقيني ولا يتم إلا بالمعصوم كما تقدم تقريره فيجب.

الخامس والعشرون: قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) هذا يدل على عصمة الأنبياء ولا قائل بالفرق فيجب عصمة الإمام، ولأن عليا عليه السلام والأئمة الأحد عشر من آل إبراهيم عليهم السلام فيكون قد اصطفاهم الله تعالى فيكونون معصومين، لا يقال هذا ليس بعام لأنا نقول هذا يدل على العموم لأن الجمع المضاف للعموم كما قد بين خرج من الأول من هو عاص فيبقى على الأصل.

السادس والعشرون: قوله تعالى: (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم) هذا تحريض وحث على فعل الطاعات وترك القبايح وإنما يتم بالعلم اليقيني والمقرب والمبعد كما تقدم تقريره وهو المعصوم فيجب.


الصفحة 158
السابع والعشرون: قوله تعالى: (والله لا يحب الظالمين) الإمام محبوب لله تعالى وغير المعصوم غير محبوب لأنه ظالم فلا شئ من الإمام بغير معصوم.

الثامن والعشرون: قوله عز وجل: (والله ولي المؤمنين) والقصد الذاتي من الولي عمل المصالح وقصد منافع المولى وفعلها وكل مصلحة ومنفعة للمكلفين فهي في جنب المعصوم مستحقرة لما تقدم فيجب عليه تعالى من حيث هذه الآية ولزوم هذا الحكم نصب الإمام.

التاسع والعشرون: قول تعالى: (لم تلبسون الحق بالباطل) هذه صفة ذم تقتضي التحرز عن اتباع من يجوز فيه ذلك، وكل غير معصوم يجوز فيه ذلك فلا يحسن إيجاب اتباعه، ولأن هذه الآية تدل على النهي عن ارتكاب الباطل بحيث لا يمازجه بحق بل يكون جميع طريقه باطلا بطريق التنبيه بالأدنى على الأعلى ويدل على النهي والعقاب على ارتكاب الباطل في الجملة في بعض الأحوال بالنص فإذا بطلت الموجبة الجزئية المطلقة العامة تثبت السالبة الكلية الدائمة، فيكون مراده أن لا يرتكب باطلا دائما وهذه هي العصمة بالفعل فالمراد في كل مكلف ذلك، فهذا يدل على عصمة الإمام من وجهين:

أحدهما: إن العصمة على المكلف ممكنة ومكلف بها لأنه مكلف بفعل جميع الواجبات والاحتراز عن جميع المحرمات ولا نعني بالعصمة إلا ذلك والمراد بالإمام وجود تلك الصفة بالفعل في المأموم عند طاعته إياه وعدم مخالفته إياه في شئ البتة فلو لم تكن هذه الصفة في الإمام لاشتركا في وجه الحاجة، فلم يكن أحدهما بالإمامية والآخر بالمأمومية أولى من العكس.

وثانيهما: إنه تعالى أمر كل مكلف باتباع الإمام بمجرد قوله أمرا عاما في المكلف والأوامر والنواهي، وهذا يدل على أن سبيل الإمام وطريقه العصمة لأنه مأمور باتباع طريقة ومأمور بالعصمة فلا يمكن المنافاة بينهما.

الثلاثون: قوله عز وجل: (وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) لا يجوز

الصفحة 159
اتباع من يجوز فيه ذلك فلا يصح كون غير المعصوم إماما.

الحادي والثلاثون: إنه إنما يحسن الذم على كتمان الحق، فلا بد أن يجعل الله تعالى مع العلم طريقا إليه وهو المعصوم.

الثاني والثلاثون: قوله تعالى: (وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) إنما ذم مع العلم ولا يحصل إلا بالمعصوم، ولأنه صفة ذم تقتضي عدم جواز اتباع من يجوز فيه ذلك، وكل غير المعصوم يجوز فيه ذلك، فلا شئ من غير المعصوم بمتبع وكل إمام متبع وإلا لانتفت فائدة الإمام ينتج لا شئ من غير المعصوم بإمام.

الثالث والثلاثون: قوله تعالى: (قل إن الهدى هدى الله) وجه الاستدلال إن هذا يدل على أن لا هدى أقوى من هدى الله تعالى ولا أصح منها طريقا فلا بد أن يفيد العلم الجازم المطابق الثابت وليس بمختص بواقعة دون أخرى وهو موجودا إذ الامتنان بما ليس بموجود محال، والترغيب إلى المعدوم ممتنع ولا طريق يفيد ذلك إلا المعصوم إذ الكتاب حقيقة أكثره عمومات وظواهر والنص المفيد لليقين لا يشمل أكثر الوقائع والسنة كذلك ولأن الاجتهاد لا يؤمن معه الغلط لتناقض آراء المجتهدين فيجب وجود المعصوم.

الرابع والثلاثون: قوله تعالى: (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) وطريق الاجتهاد مشترك بين الكل فلا بد من شئ يفيد اليقين، وليس إلا المعصوم لا يقال المعصوم على مذهبكم مشترك أيضا، لأنا نقول إنه يدل على طريق يفيد اليقين من غير الاجتهاد، وهو المعصوم والتفضيل بتفضيله على المعصومين المتقدمين من أرباب الملل.

الخامس والثلاثون: قوله عز وجل: (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله وسع عليم) الكمال الحقيقي في قوتي العلم والعمل بحيث تكون العلوم الممكنة للبشر بالنسبة إليه من قبيل فطري القياس، وتكون نفسه في مرتبة العقل المستفاد بحيث يكون الجميع مشاهدا عندها كالصور في المرأة،

الصفحة 160
كما قال علي عليه السلام (لو كشفت الغطاء ما ازددت يقينا) فيكون مهذب الظاهر باستعمال الشرائع الحقة بحيث لا يهمل منها شيئا البتة ويتضمن ذلك فعله جميع الطاعات وترك جميع القبايح بحيث لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب، ويكون باطنه مزكى من الملكات الردية ونفسه متحلية بالصور القدسية وهذا هو التفضيل الذي يحسن به الامتنان وبالقدرة عليه المدح فلا بد من إثباته في كل وقت فيدل على وجود المعصوم في كل وقت وهو المطلوب.

السادس والثلاثون: قوله تعالى (يختص برحمته من يشاء) لا رحمة أعظم مما قلنا من وجود المعصوم على غيره يدل على وجود المعصوم في كل وقت وهو المطلوب.

السابع والثلاثون: قوله تعالى: (والله ذو الفضل العظيم) بيان ما ذكرناه من الفضل العظيم فيدل على وجود المعصوم.

الثامن والثلاثون: قوله تعالى: (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) هذا يدل على التحذير عن اتباع من يجوز فيه ذلك، وكل غير معصوم يجوز فيه ذلك فلا شئ من غير المعصوم بمتبع وكل إمام متبع.

التاسع والثلاثون: قوله تعالى: (بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين) وجه الاستدلال إن هذه تدل على وجود المتقي الحقيقي وهو المعصوم.

الأربعون: إن هذه صفة مدح على التقوى فمع عمومها يكون المدح أولى والتحريض عليه أكثر فلا بد من طريق إلى ذلك وليس إلا المعصوم فيجب وجوده.

الحادي والأربعون: إن قولنا هذا متق مساو لنقيض، قولنا هذا ظالم لأن كل واحد منهما يستعمل في نقيض الآخر عادة وعرفا وظالم يصدق بمعصيته واحدة ونقيض الموجبة الجزئية السالبة الكلية فالمتقي إنما يصدق حقيقة على من

الصفحة 161
لم يخل بواجب ولم يفعل قبيحا وذلك هو المعصوم فيجب وجوده بهذه الآية لأنها تدل على إرادة الله تعالى لخلقه المحبة والمانع منتف ومتى وجدت القدرة والداعي وانتفى الصارف وجب الفعل فيجب خلقه ونصبه في كل وقت وهو المطلوب.

الثاني والأربعون: الإمام يزكيه الله ولا شئ من غير المعصوم يزكيه الله تعالى فلا شئ من الإمام بغير المعصوم، أما الصغرى فلأن إيجاب اتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره ونواهيه ونفاد حكمه وصحة حكمه بعلمه من غير شاهد يزكيه قطعا، والإمام كذلك، وأما الكبرى فلقوله تعالى: (ولا يزكيهم).

الثالث والأربعون: قوله تعالى: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتب لتحسبوه من الكتب وما هو من الكتب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) هذه صفة ذم والإمام يجزم بنفيها عنه ولا شئ من غير المعصوم يجزم بنفيها عنه، فلا شئ من الإمام بغير معصوم والمقدمتان ظاهرتان.

الرابع والأربعون: الإمام يهديه الله قطعا لأنه هاد للأمة، وإنما أوجب الله طاعته لهدايته، ولا شئ من غير المعصوم يهديه الله تعالى لأنه ظالم، وكل ظالم لا يهديه الله في الجملة لقوله تعالى: (والله لا يهدي القوم الظالمين) ينتج لا شئ من الإمام بغير معصوم، لا يقال هذا لا يتم على رأيكم لأن الله تعالى يجب عليه هداية الكل عند العدلية، فالكبرى باطلة ولأن هذا قياس من الشكل الثاني وشرط انتاجه دوام إحدى المقدمتين أو كون الكبرى من القضايا المنعكسة سلبا، والمقدمتان هنا مطلقتان عامتان، لأنا نقول أما الأول فلأنا لا نعني بالهداية هنا الهداية العامة التي هي مناط التكليف لاشتراك الكل فيها بل بخلق ألطاف زائدة وهو من باب الأصلح فلا يجب عليه تعالى.

وما الثاني: فنقول الصغرى ضرورية فتدخل تحت الشرط.