الصفحة 107
لما تقدم من التقرير، وغير المعصوم قد يأمر بما يوهم أنه إصلاح، فلا إصلاح فيه، فلا يجب امتثال قوله فتنتفي فائدة إمامته.

السادس والثمانون: قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وجه الاستدلال بها كما تقدم.

السابع والثمانون: قوله تعالى: (إن الله بالناس لرءوف رحيم) وجه الاستدلال أن الإمام المعصوم في كل عصر من أعظم النعم وأتمها وبه تحصل النجاة الأخروية والمنافع الدنيوية، وكان من رأفته ورحمته التي حكم بها على نفسه، وأي نعمة في جنب هذه النعمة التي بها يحصل نعم الدنيا ونعم الآخرة، فكل النعم أقل منها وتستحقر في جنبها (1).

الثامن والثمانون: قوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات) هذا موقوف على معرفتها وذلك موقوف على معرفة الخطاب الإلهي، ولا يحصل من المعصوم كما تقدم.

التاسع والثمانون: قوله تعالى: (ولاتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون) إلى قوله: (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) الاستدلال بها من وجوه:

الأول: إنه قد حكم بإتمام النعم علينا وقد بينا أن الإمام المعصوم، كل النعم مستحقرة في جنب هذه النعمة فلو لم يكن قد نصبه الله تعالى لم يكن قد أتم النعم.

الثاني: إنه امتن بجعل الرسول وفائدته لا تتم إلا بخليفة معصوم يقوم مقامه في كل وقت.

الثالث: إن العلة الداعية إلى إرسال الرسل هو إعلام خطاب الله تعالى

____________

(1) ولربما تلقى إطاعة غير المعصوم في الخطأ ومخالفة الأحكام الإلهية وعندئذ العقاب والنار، فأمره تعالى بطاعة غير المعصوم خلاف الرأفة والرحمة.


الصفحة 108
فيقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية، ويعلم الكتاب ومعانيه ويهدي إلى مجملاته، ومتأولاته ومجازاته ومشتركاته، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وهذا الداعي موجود بالنسبة إلى الإمام والقدرة موجودة، وإذا علمنا وجود الداعي والقدرة حكمنا بوقوع الفعل فدل على وجود الإمام المعصوم في كل زمان.

التسعون: قوله تعالى: (واشكروا لي ولا تكفرون) أمر بالشكر ونهى عن كفران النعم وهو عدم الشكر فيجب، وذلك موقوف على معرفة كيفية وهو موقوف على معرفة الخطابات الآلهية ولا تحصل إلا من قول المعصوم لما تقرر إذ الكتاب والسنة لا يفيان بكيفية الشكر على كل نعمة، وغير المعصوم لا يوثق بقوله لجواز أن يكون ما يعمله لنا غير الشكر أو من باب الجحود فيجب المعصوم في كل وقت.

الحادي والتسعون: قوله تعالى: (نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل) (من قبل هدى للناس) المراد من إنزال الكتاب الهداية ولا تحصل إلا بمعرفة ما فيه ولا تتم فائدة إلا بما يقرب من امتثال أوامره ونواهيه ولا يحصل ذلك كله إلا من المعصوم لما تقرر وإلا فدل على ثبوت الإمام المعصوم.

الثاني والتسعون: قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) إلى قوله تعالى: (وما يذكر إلا أولوا الألباب) الاستدلال به من وجوه:

الأول: إن الناس منهم مقلد، ومنهم مقلد، والمقلد إنما يتبع المقلد، والله تعالى ذم من يتبع المتشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وهذا منع من اتباعه وغير المعصوم يجوز فيه ذلك فلا يوثق بقوله فتنتفي فائدة الخطاب فيجب المعصوم حتى ينتهي التقليد إليه.

الثاني: إنه تعالى حكم بعلم تأويله لقوم مخصوصين ميزهم بكونهم راسخين في العلم، وهذا لا يعلم إلا من المعصوم إذ غيره لا يعرف حصول

الصفحة 109
الصفة فيه.

الثالث: المراد بالخطاب بالمتشابه هو العمل أيضا به ولا يحصل الأمن من الخطأ في العلم به إلا من المعصوم فيجب، ولأن الخطاب بالمتشابه مع عدم معصوم يجزم يقينا بصحة قوله يستلزم الفتنة المحذر منها إذ آراء المجتهدين مختلفة فيه ويقع بسبب ذلك الخبط وعدم الصواب، فلا بد من المعصوم ليتوصل منه إلى العلم به.

الرابع: أنه يجب دفع الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وردعهم عن ذلك وهو يستلزم ثبوت المعصوم لأن غيره لا ترجيح لقول بعضهم على بعض، فكل منهم يدعي أن مخالفة كذلك، وذلك هو الفتنة.

الثالث والتسعون: قوله تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا) المراد عدم الزيغ إذ يستحيل من الله تعالى فعل الزيغ، وإذا كان المراد عدم الزيغ بالكلية، ولا يحصل إلا بالمعصوم لما تقدم من التقرير فدل على نصبه.

الرابع والتسعون: قوله تعالى: (للذين اتقوا عند ربهم) إلى قوله (والله بصير بالعباد) وجه الاستدلال به أنه قد حكم باستحقاق الذين اتقوا بالثواب الدائم والخلاص من العقاب بسبب التقوى، ولا طريق إليها إلا بالمعصوم كما تقدم.

الخامس والتسعون: قوله تعالى: (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) إنما يعلم طريق ذلك من المعصوم، كما تقدم تقريره.

السادس والتسعون: قوله تعالى: (قل اللهم ملك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير) وقد أتى الملك بالاتفاق، فيلزم أن يكون معصوما لأن تحكيم غير المعصوم قبيح (1) ويستحيل على الله تعالى لوجود ضده، وهي

____________

(1) نسب إليه تعالى إتيان الملك ومن ثم يكون إتيانه لغير المعصوم قبيحا لأن غير المعصوم يجوز عليه الخطأ، ومخالفة الله سبحانه، وكيف يولي عز شأنه على الرقاب والأموال والفروج من تجويز عليه المخالفة، فيحكم فيها بما لا يحل من براءة النفس المحكومة بالقتل وعلى البريئة بالقتل ومن التفريق بين المرء وزوجه وعلى الأجنبية بالزوجية، وعلى مال زيد لعمرو، ومال خالد لبكر، إلى غير ذلك من الشؤون التي تخالف الحقيقة والشريعة، ويكون ذلك مستندا إليه تعالى، لأنه هو الذي آتى الملك لغير المعصوم مع علمه بما يجري منه.


الصفحة 110
الحكمة.

السابع والسبعون: قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) وإنما يعلم اتباعه بالمعصوم كما تقرر فيما تقدم (1).

الثامن والتسعون: قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) وإنما يحسن ذلك من الحكيم مع عصمتهم من أول العمر إلى آخره، فأما أن يكون متناولا للأنبياء لا غير أو لهم وللأئمة عليهم السلام وعلى كلا التقديرين، فمطلوبنا حاصل أما على الأول فلأن كل من قال بذلك قال بعصمة الأئمة ومن منع من عصمة الأئمة لم يقل بعصمة الأنبياء من أول العمر إلى آخره فالفرق إحداث قول ثالث وهو باطل، وأما على الثاني فظاهر، ولأن الجمع أضيف والجمع المضاف للعموم فيدخل فيه علي وفاطمة والحسن والحسين وباقي الأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين، فدل على عصمتهم وغير الأنبياء من آل إبراهيم خارج عن ذلك إذ ليس بمعصوم اتفاقا فلا يصح اصطفاؤه على العالمين، لا يقال:

الجمع المخصوص، وخصوصا بالمنفصل ليس حجة والباقي لما بين في الأصول، لأنا نقول بل العام المخصوص حجة في الباقي لما بين في الأصول.

التاسع والتسعون: قوله عليه السلام " لا يجتمع أمتي على الخطأ " خبر متفق عليه وهو يدل على وجود المعصوم في كل عصر لأن الألف واللام التي في

____________

(1) فإن غير المعصوم لا تحرز باتباعه محبة الله تعالى لجواز مخالفته لله تعالى بل نعتقد أحيانا وقوعنا بالمخالفة كما إذا حكم الإمام السابق بأمر خالفه عليه الإمام اللاحق فأحدهما خالف الشريعة يقينا، بل يجوز عليهما معا المخالفة، وكيف تحرز محبة الله تعالى بمخالفته.


الصفحة 111
الخطأ ليست للعهد اتفاقا، فهي للجنس أو لتعريف الطبيعة فبقي المعنى لا يجتمع أمتي على جنس الخطأ من حيث هي فلو لم يكن منهم معصوم من أول العمر إلى آخره لجاز في زمان عدم المعصوم، فعل كل واحد نوعا من الخطأ مغايرا لما يفعله الآخر فيكون قد اجتمعوا على جنس الخطأ لكنه منفى بالخبر فدل على ثبوت معصوم بينهم من أول عمره إلى آخره في كل عصر إذ المراد به كل عصر إجماعا فثبت مطلوبنا لاستحالة كون الإمام غيره هي هي.

مائة: الإمام يحبه الله لأن معنى المحبة من الله تعالى كثرة الثواب، والإمام هو سبب حصول الثواب للناس كافة ولأن الإمام متبع للنبي عليه الصلاة والسلام في كل أحواله وإلا لما أمر بطاعته واتباعه، ولأن خليفة النبي صلى الله عليه وآله وقائم مقامه وكل من يتبع النبي صلى الله عليه وآله يحبه الله تعالى لقوله تعالى: (فاتبعوني يحببكم الله) ولا شئ من غير المعصوم يحبه الله تعالى لأن ظالم (1) لقوله تعالى: (فمنهم ظالم لنفسه) ولا شئ من الظالم يحبه الله تعالى لقوله تعالى: (والله لا يحب الظالمين) لا يقال نفي المحبة عن الكل لا يستلزم نفيها عن كل واحد لأنا نقول العلة الظلم وهو موجود في كل واحد.

____________

(1) مر معنا مرارا أنه لا تلازم بين عدم العصمة والظلم إلا أن يكون الظلم بغصب منصب الإمامة، كما مر أيضا إننا لا نحرز موافقة الشريعة والنجاة والمحبة باتباع غير المعصوم.


الصفحة 112

الصفحة 113

المائة الثانية

الأول: قوله تعالى: (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم) والصالحات عام لأنه جمع معرف باللام فيكون للعموم فيجب في الحكمة وضع طريق لمعرفة جميع الصالحات وليس إلا المعصوم كما تقدم، فيجب في كل عصر لعمومها كل عصر (1).

الثاني: قوله تعالى: (يا أهل الكتب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) صفة ذم تقتضي التحذير من متابعته، وغير المعصوم يمكن كونه كذلك فيكون ترك اتباعه احتراز عن الضرر المظنون فيجب، والأصل في ذلك أن المكلف يجب أن يخلو من أمارات المفاسد ووجوهها، فلذلك لم يرد اتباعه احتراز عن الضرر المظنون.

الثالث: طاعة الرسول أن نأخذ بجميع ما آتانا به وننتهي عن جميع ما نهانا عنه لقوله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وطاعة الإمام مساوية له لقوله تعالى: (وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) جعل طاعتهما مشتركة واحدة فإن العطف يقتضي التساوي في العامل، فيجب أن يكون الإمام معصوما وإلا لزم اجتماع الأمر بالشئ

____________

(1) وأما غير المعصوم فلا نجزم بأننا عملنا الصالحات بموافقته، فإنه يجوز أن يأمر بغير الصالحات بعنوان الصالح.


الصفحة 114
والنهي عنه (1) وهذا لا يجوز.

الرابع: قوله تعالى: (فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون) وغير المعصوم يمكن أن يكون كذلك بالضرورة ولا شئ من الإمام يمكن أن يكون كذلك قطعا، وإلا لانتفت فائدته وهما ينتجان (2) لا شئ من الإمام بغير معصوم بالضرورة وهو المطلوب.

الخامس: قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) وهو يقتضي الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر ولا يكون كذلك إلا المعصوم فيجب (3).

السادس: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) وحق تقاته إنما يحصل بعد العلم بالأحكام يقينا، والتقريب والتبعيد لا يحصل إلا من الإمام المعصوم لما تقدم فثبت.

السابع: قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) والاستدلال به من وجهين:

الأول: الاعتصام بحبل الله فعل أوامر الله تعالى كلها والامتناع عن مناهيه ولا يعلم ذلك إلا من المعصوم.

الثاني: قوله تعالى: (جميعا ولا تفرقوا) حث على الاجتماع على الحق وعدم الافتراق عنه، وإرادة الاجتماع منهم من غير معصوم في كل عصر يناقض الغرض لتجاذب الأهواء وغلبة القوى الشهوية والغضبية والامتناع عن طاعة من يصدر عنه الذنوب وسقوط محله من القلوب مع أنه لا

____________

(1) وذلك فيما لو نهى عن طاعة أوامر بمعصيته أو ارتكبها، فإن مقتضى الأمر بطاعته امتثال أوامره مطلقا، ومقتضى عموم النهي عن المنكر شموله للمقام.

(2) على الشكل الثاني.

(3) لأن الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر يستدعي العلم بالشريعة كما نزلت ولا يعلمها كذلك إلا المعصوم، وأما غير المعصوم فيجوز عليه أن يأمر بالمنكر وينهي عن المعروف جهلا بأحكام الشريعة.


الصفحة 115
بد للاجتماع على الأمور من رئيس.

الثامن: قوله تعالى: (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) وذلك إنما هو بخلق اللطف المقرب إلى الطاعة والمبعد عن المعصية وهو الإمام المعصوم في كل عصر وهو المطلوب (1).

التاسع: قوله تعالى: (كذلك يبين الله لكم آيته لعلكم تهتدون) هذه عامة في كل الآيات وفي الأزمنة وبيان المجمل والمشترك إنما هو بحصول العلم وإلا لم يكن بيانا وذلك إنما يحصل بقول المعصوم فثبت وهو المطلوب.

العاشر: قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) نهى عن التفرق والاختلاف وإنما يتم ذلك بالمعصوم في كل زمان إذ عدم الرئيس يوجب التفرق والاختلاف (2) وكذا الرئيس إليهم (3) فتعين نصب الإمام المعصوم، وأيضا فإن النهي عن الاختلاف مع عدم وفاة السنة والكتاب بالأحكام وثبوت المجملات والمتشابهات والمجازات مع عدم نصب الإمام المعصوم والتكليف

____________

(1) فإن غير المعصوم لا نجزم بحصول التقريب والتبعيد به، فلا نجزم بحصول الانقاذ به من النار، فإن كل أحد اتبع غير المعصوم لو راجع نفسه لم يجدها في حرز ووقاية من النار لكثرة المخالفة للشريعة.

(2) لا يراد من التفرق والاختلاف في الشؤون الدنيوية فحسب، وإنما يقصد به الأعم منها ومن الدينية، ومن ثم لو كان للناس رئيس ولكن كان غير معصوم، وكانوا جميعا تحت راية واحدة لا يعني ذلك أنهم متفقون ما لم يتفقوا على الأحكام وكيف يتفقون عليها وهم آراء مختلفة وأهوية متباينة، وفي مجموعها المخالفة للشريعة يقينا، فالاتفاق الحقيقي لا يحصل إلا مع الإمام المعصوم، حيث لا يكون للناس من الأمر شئ، إنما الأمر كله لله وحده.

(3) أشرنا آنفا إلى أن اجتماعهم على الرئيس وحده لا يغني في الوحدة وعدم الاختلاف ما لم يتفقوا على الشريعة، وكيف تتفق الآراء والأهواء، ولو اتفقت في الدين كيف نعتقد بموافقتها للشريعة المنزلة، ونحن مسؤولون عن العمل وفق الشريعة كما نزلت، لا وفق الآراء والأهواء، والنزعات والرغبات، وما دام بالامكان موافقة الشريعة لا يصح العدول عنها، والموافقة إنما هي باتباع المعصوم فالبينات إنما تجئ مع المعصوم، والصفح عنه سبيل التفرق والاختلاف.


الصفحة 116
بالأحكام في كل واقعة وتفويض استخراج ذلك إلى الاجتهاد التابع للأمارات المختلفة والأفكار والأنظار المتباينة تكليف بما لا يطاق، وهو محال لا يقال إذا لزم من مجموع لا يلزم لزومه للأجزاء فلا يلزم استلزام عدم المعصوم المحال، لأنا نقول إذا كان ما عدا عدم المعصوم صادقا متحققا في نفس الأمر والصادق المتحقق لا يستلزم المحال، فتعين عدم المعصوم للاستلزام وهو المطلوب وأيضا، فقوله من بعد ما جاءتهم البينات يدل على طريق لظهور الأحكام والعلم بها وإلا ليس من المعصوم في كل عصر كما تقدم فثبت.

الحادي عشر: قوله تعالى: (وما الله يريد ظلما للعباد) والمأمور به مراد على ما ثبت في الأصول وكلام الأشاعرة قد أبطلناه في كتبنا الأصولية (1)

____________

(1) الخلاف بين العدلية والأشاعرة في أفعال العباد معروف مشهور، قالت العدلية: إن كان الفعل من العبد مأمورا به منه عز شأنه فهو مراد له، وإن لم يكن مأمورا به فليس بمراد، وإنما هو من أفعال العباد أنفسهم، وقالت الأشاعرة إن كل ما هو واقع فهو مراد له سبحانه سواء كان طاعة أو معصية.

واستدلت العدلية على ما تقول بأمرين، الأول: إنه تعالى حكيم لا يفعل القبيح، وكما لا يفعله لا يريده ولا يأمر به، فإن فعل القبيح كما كان قبيحا كانت إرادته والأمر به أيضا قبيحا.

الثاني: إنه تعالى أمر بالطاعة ونهي عن المعصية، والحكيم إنما يأمر بما يريد لا بما يكره، وينهي عما يكره لا عما يريد، فما أمر بالطاعة إلا لأنها مرادة له، وما نهى عن المعصية إلا لأنها مكروهة لديه، فلو كانت الطاعة غير مرادة له لما أمر بها ولو كانت المعصية غير مكروهة له لما نهى عنها، فثبت أن كل مأمور به مراد له تعالى وإن المعصية غير مرادة ولا مأمور بها للنهي عنها.

واستدلت الأشاعرة على ما تقول بأمور، الأول: إنه تعالى فاعل لكل موجود فتكون القبائح مستندة إليه بإرادته.

الثاني: لو أراد الله تعالى من الكافر الطاعة، والكافر أراد المعصية وكان الواقع ما أراده الكافر للزم إن يكون الله تعالى مغلوبا، إذ من يقع مراده من المريدين هو الغالب.

الثالث: إن كلما علم الله تعالى وقوعه وجب، وما علم عدمه امتنع، فإذا علم عدم وقوع الطاعة من الكافر استحال منه إرادتها وإلا لكان مريدا لما يمتنع وجوده.

والجواب عن الأول بأن ذلك عين الدعوى، فإنه تعالى فاعل كل شئ بمعنى أنه موجود للممكنات، فالإنسان مخلوق له تعالى، ولكن ذلك لا يستلزم بأن تكون أفعاله أيضا مخلوقة له، لأننا نجد بالوجدان والضرورة، إن أفعال العبد مستندة لاختياره، وهو قادر على فعل الشئ وتركه معا في آن واحد ومن ثم يصح ثوابه على الطاعة وعقابه على المعصية.

وعن الثاني: بأنه تعالى إنما يريد الطاعة من العباد على سبيل الاختيار منهم دون الجاء وقهر ولا يتحقق ذلك إلا بإرادة المكلف نفسه، ولو أراد تعالى الطاعة من الكافر مطلقا سواء كانت عن اختيار أو إجبار لوقعت على كل حال، والفرق بين الإرادتين واضح.

وعن الثالث: بأن العلم تابع للمعلوم فلا يؤثر في إمكانه، فعلمه تعالى بأفعال عباده لا يكون علة فاعلية لوجودها بعد إن كان متعلقا بها وتابعا لوجودها.

فمن هاهنا يتضح بطلان ما زعمه الأشاعرة، وصحة ما يقوله العدلية، لأنه عز شأنه يستحيل عليه أن يأمر بطاعة غير المعصوم، لأن الأمر بطاعته قبيح لاستلزامه الظلم للعباد، فإن الإمام غير المعصوم قد يقع منه الظلم وقد يأمر به فيكف يأمر تعالى بالظلم أو يريده، فما يقع من القبايح من العباد، فليس بمراد له ولا مأمورا به.


الصفحة 117
فمحال أن يأمر بطاعة غير المعصوم لأنه قد يأمر بالظلم للعباد، والإمام أمر الله تعالى بطاعته فلا شئ من غير المعصوم بإمام.

الثاني عشر: قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) يقتضي الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر فإما أن يكون إشارة إلى المجموع من حيث هو مجموع أو إلى كل واحد أو إلى بعضهم والأول محال فإن الأمة يتعذر اجتماعها في حال فضلا على الأمر بكل معروف لكل أحد والنهي كذلك، والثاني محال أيضا لأن الواقع خلافه، فتعين الثالث وهو المعصوم فثبت المعصوم في كل عصر لعمومها لكل عصر وهو المطلوب (1).

الثالث عشر: قوله تعالى: (أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) إلى قوله: (وأولئك من الصالحين) يقتضي الأمر بكل

____________

(1) لا تلازم بين البعض والعصمة، فقد يجوز أن يكون الآمرون الناهون غير معصومين بل أهل عدالة وإيمان، ولكن دلالتها على المطلوب بأن يقال: إن المعروف والمنكر كيف نعرفهما حقا حتى تقوم ثلة من الأمة بأداء واجبهما؟ وهل لنا طريق لهما غير المعصوم، فإذن لا يصدق على الأمة بأنها آمرة ناهية دون الأخذ عن المعصوم فيجب، واستمرار هذا الشأن فيها يقتضي وجوبه ووجوده في كل زمان.


الصفحة 118
معروف والنهي عن كل منكر والمسارعة إلى كل الخيرات بحيث لا يلزم تكليف ما لا يطاق وذلك هو المعصوم (1) فثبت وهي عامة في كل زمان إجماعا اتفاقيا ومركبا.

الرابع عشر: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) إلى قوله: (قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) الاستدلال به من وجهين:

الأول: إنه نهى عن اتباع هؤلاء وحذر منه تحذيرا تاما، واتباع من يمكن أن يكون، كذلك فيه خوف وضرر مظنون، ودفعهما واجب بترك اتباعه وغير المعصوم كذلك فيجب ترك اتباعه، فلو كان إماما لوجب اتباعه، فيلزم التكليف بالضدين وهو تكليف بالمحال.

الثاني: قوله تعالى: (قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) هذا إشارة إلى نصب المعصوم في كل زمان إذ بيان الآيات ممن لا يحتمل أن يكون كذلك ليس إلا من المعصوم كما تقدم، فدل على ثبوته.

الخامس عشر: قوله تعالى: (وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور) فدل على ثبوت قوم كذلك لا يعلم باطنهم إلا الله تعالى لأنه من باب الغيب وقد حذر عن اتباع من يمكن منه ذلك وغير المعصوم كذلك فلا يجوز اتباعه، والإمام يجب اتباعه.

السادس عشر: قوله تعالى: (ليس لك من الأمر شئ) فالأولى أن لا يكون للرعية نصب الإمام بل يكون إلى الله تعالى ويستحيل منه نصب غير المعصوم والأمر بطاعته في كل ما يأمر به وإلا أمكن اجتماع الضدين وحسن

____________

(1) سبق أنه لا تلازم بين القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمسارعة إلى الخيرات وبين العصمة إذ يجوزان يفعل العادل عاملا بذلك كله، نعم لا يجوز أن يفعل ذلك كما يريده تعالى بالأخذ عن غير المعصوم، فيتعين المعصوم وجوده في كل زمان.


الصفحة 119
القبيح في نفسه وقبح الحسن وهو محال.

السابع عشر: قوله تعالى: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) والإمام المعصوم لطف في هذا التكليف، وفعله موقوف عليه من جهة العلم والعمل كما تقدم تقريره فيجب وإلا لناقض الغرض وهو على الحكيم محال.

الثامن عشر: قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) إلى قوله: (والله يجب المحسنين) والاستدلال بها من وجوه:

الأول: مراده من التكليف هذه الغاية، والإمام المعصوم لطف فيه، وفعله يتوقف عليه فيجب فعله وإلا لناقض الغرض.

الثاني: إن ذلك لا يعلم إلا من الإمام كما تقدم.

الثالث: إن خلقهم على جهة التكليف للتعريض للمنافع تفضل، وقد فعله الله تعالى، واللطف المقرب من ذلك بعد خلقهم على جهة التكليف، وتكليفهم أولى أن يفعله الله تعالى وهو المعصوم، وهل يتصور من الحكيم تعالى التفضل بخلق الخلق وتكليفهم للتعريض للمنافع، ولا يخلق لهم الإمام المعصوم الذي هو مقرب إلى ذلك ومبعد عن القوى الشهوية والغضبية المبعدة عن ذلك الغالبة في أكثر الأمور، وهذا لا يجوز في الحكمة ولا يتصوره عاقل.

التاسع عشر: قوله تعالى: (ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) هذا دليل على ثبوت المعصوم، إذ غيره ظالم والذي يتخذه الله شاهدا له العدالة المطلقة التي هي العصمة، وبالجملة فهو غير الظالم أعني غير المعصوم، فيكون هو المعصوم (1).

____________

(1) قدمنا سابقا أنه لا ملازمة بين عدم العصمة والظلم فلا يلزم أن يكون الشهداء المعصومين فحسب، ولكن أسلفنا أيضا إن الشهداء يجب أن يكونوا معصومين لا من ناحية مقابلة الشهداء للظالمين، ولكن من جهة أن الشهيد فوق المشهود عليه، ولو كان مثله في جميع الجهات لما كان أولى بهذه المنزلة، ولو كان يجوز عليه الخطأ في الشهادة لما صح أن يجعله العليم سبحانه شهيدا، فلا بد أن يكون معصوما لئلا يخطئ في تحمل الشهادة وأدائها أمام الله تعالى.


الصفحة 120
العشرون: قوله تعالى: (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين) وجه الاستدلال بها أنه بمجرد الإرادة من دون فعل سبب الثواب لا يحصل وهو ظاهر وإلا لكان تفضلا، فلا يكون ثوابا، ولا بد من طريق يحصل به العلم بأسباب الثواب جزما، وكذلك لا بد من معرفة كيفية الشكر وسببه، وإنما يحصل من المعصوم، وإذا تبين أن فعل الطاعات موجب للثواب، والله داع إلى الثواب ومريد لحصوله من العباد فلا بد من خلق المقرب والمبعد وهو المعصوم.

الحادي والعشرون: إن الله تعالى فاعل مختار ومتى تحققت القدرة والداعي وجب الفعل (1) والاحسان المطلق إنما هو بفعل الطاعات والامتناع عن القبايح، والمعصوم لطف فيه محصل له لا يحصل بدونه كما تقدم، والله يريد الاحسان ويحبه لقوله تعالى: (والله يحب المحسنين) فدل على تأكد الإرادة له، وإنما يريد ذلك على سبيل اختيار المكلف، فيلزم أن يريد الألطاف الموقوف عليها الاحسان المطلق التي تقرب المكلف إليه وتبعده عن ضده والتي لا تبلغ الالجاء، فيريد خلق المعصوم والأمر بطاعته لوجود القدرة والداعي وانتفاء الصارف إذ هو مناف للإرادة وقد تحقق انتفاء الصارف، وهو المطلوب (2).

____________

(1) وذلك لحصول المقتضي مع انتفاء الصارف عن الفعل وهوما يسمى بالمانع ومتى ما حصل المقتضي وانتفى المانع كانت العلة عندئذ تامة، فلا محالة من وجوب الفعل.

(2) وإيضاح ذلك أن نقول: إن الله عز شأنه يحب أن يكون عباده من أهل الاحسان وعليه قوله تعالى (والله يحب المحسنين) وأمثالها في الكتاب كثير وكمال الاحسان بفعل الطاعات والامتناع عن القبايح، ومعرفة الطاعات والقبايح والقرب من الأولى والبعد عن الثانية موقوف على الإمام المعصوم لأن الشريعة من الكتاب والسنة غير كافيين في ذلك لاختلاف الناس في مفادهما، ولما كان تعالى فاعلا مختارا وهو القادر وقد حصل الداعي لخلق المقرب المبعد لطفا بعباده وحبا، لأن يكونوا من المحسنين ولم يكن هناك مانع من وجود هذا الطريق وجب عليه تعالى فعله وهو تعالى يريد أن يكون الاحسان من عباده على سبيل الاختيار دون الجاء وإجبار، فإذا لم يخلق لهم المعصوم فماذا يصنع لهم ليبعدهم عن العصيان، ويقربهم من الطاعة.


الصفحة 121
الثاني والعشرون: قوله تعالى: (والله يحب الصادقين) وجه الاستدلال ما تقدم (1).

الثالث والعشرون: قوله تعالى: (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) المراد فاعل لمصالحكم ومرشد لكم وإنما يتم ذلك بخلق الألطاف الموقوف عليها الفعل وهو المعصوم إذ غيره ربما يقرب من المعصية ويبعد عن الطاعة، وهو ضد اللطف ولا يحصل الوقوف بقوله فتنتفي فائدة نصبه فتعين المعصوم وهو المطلوب.

الرابع والعشرون: قوله تعالى: (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أريكم ما تحبون) وجه الاستدلال إنه ذم التنازع والخذلان والعصيان وجعله سبب النار عدم المعصوم مؤد إلى ذلك وموجب له (2) والمعصوم من فعله تعالى فلو لم يخلقه لكان الله تعالى سببا في ذلك (3) وهو قبيح، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولأنه لم يحسن حينئذ الذم لعدم الطريق المفيد لليقين في كثير من الأحوال والأحكام والأمارات والظنون مختلفة، وكان التكليف بعدم الخلاف في ذلك التكليف ما لا يطاق.

الخامس والعشرون: قوله تعالى: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من

____________

(1) وبيانه أن الصبر على الطاعة عن المعصية موقوف على معرفة الطاعة والمعصية ولا يعلمان تماما إلا من قبل المعصوم ولا يبعد عن العصيان ويقرب إلى الطاعة الحقيقيين سواه.

(2) كما نجد ذلك عيانا فإن الناس لما صفحوا عن المعصوم أصبحوا فرقا ومذاهب وطرائق مختلفة، ولو أطاعوا المعصوم لتمسكوا بحبله تعالى جميعا.

(3) لأن هذا الاختلاف والتنازع يكون قهريا بدون المعصوم فإذا لم يخلق الله تعالى المعصوم لكان هو السبب في إيجاد ذلك بين عباده، وكيف عندئذ يذمهم عليه وهو السبب الموجد له، فإن الناس لا محالة صائرون إليه لعدم الطريق المفيد لليقين في كثير من الأحكام والأحوال والتكليف بعدم الخلاف عندئذ تكليف بما لا يطاق كما أشار إليه المصنف طاب ثراه.


الصفحة 122
يريد الآخرة) وهذا الذي يريد الآخرة لا بد له من طريق موصل يتيقن الوصول به وليس إلا المعصوم فثبت.

السادس والعشرون: قوله تعالى: (والله ذو فضل على المؤمنين) وهو أما بالمنافع الدنيوية والأخروية أو هما لا جايز، الأول إذ هو محتقر بالنسبة إلى الأخروي فلا يجوز الامتنان بالفاني المحتقر مع إمكان الدائم العظيم فتحقق أحد القسمين الآخرين فلا يتم لهم ذلك إلا باللطف المقرب المبعد الذي هو المعصوم فثبت به وإلا لم يحسن الامتنان.

السابع والعشرون: قوله تعالى: (يقولون هل لنا من الأمر من شئ قل إن الأمر كله لله) وجه الاستدلال إن هذا يدل على أن ليس لهم أمر ولا حكم في شئ مطلقا، بل الكل لله تعالى، فلا يجوز أن يكون نصب الإمام مستند إليهم، لأنه من أعظم الأمور وأتمها وأهمها، وعليه تبنى المصالح الدينية، فيكون إلى الله تعالى والله تعالى لا يجوز أن يجعل غير المعصوم لأنه قبيح لما تقدم والله تعالى لا يفعل القبيح، ولأنه لو أمر بطاعته في جميع أوامره وهو يمكن أن يأمر بما يريد وبما سنح في خاطره وقد وقع مثل ذلك، فلو أمر الله به لزم أن يكون له من الأمر شئ، لكنه منفي وإن كان مما يعرف المكلف إنه صواب لزم إفحامه فلا حاجة إلى نصبه.

الثامن والعشرون: علة السبب علة المسبب، فلو كان نصب الإمام من فعلهم لكان جميع الأوامر والنواهي والأحكام الصادرة منه من فعلهم (1) فثبت نقيض السالبة التي حكم الله تعالى بصدقها وهذا خلف.

التاسع والعشرون: قوله تعالى: (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم) وفي موضع آخر (ولا تفرحوا بما آتاكم) أي من أمور الدنيا، وهذا المراد موقوف على المعصوم إذ هو أشد التكاليف، فلا يحصل إلا

____________

(1) لا ملازمة بين نصبه وبين الأوامر والنواهي، فقد يقال: إنما تنصبه الأمة لأن يحفظ الشرع ويعمل بأوامر الله تعالى ونواهيه، وإنما الإشكال عليه أنه لا يحصل بغير المعصوم حفظ الشرع ولا العمل بأوامره سبحانه ونواهيه لجواز مخالفته هما في أمره وعمل.


الصفحة 123
المعصوم وبه لما تقدم من التقرير فدل على ثبوته.

الثلاثون: قوله تعالى: (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك) هذه صفة ذم يقتضي عدم جواز اتباع من يمكن منه ذلك وهو غير المعصوم.

الحادي والثلاثون: قوله تعالى: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) وجه الاستبدال به أن نقول القتل في سبيل الله بالجهاد على نية أوامر الله تعالى ونواهيه، وذلك لا يتم إلا بالإمام المعصوم، إذ لا يتيقن دعاءه إلى الله تعالى إلا إذا كان معصوما (1).

الثاني والثلاثون: قبول قول غير المعصوم إلقاء باليد إلى التهلكة (2) خصوصا في الجهاد، فلا يجب وكل إمام يجب امتثال دعاءه إلى الجهاد وقبول قوله فلا شئ من غير المعصوم بإمام.

الثالث والثلاثون: غير المعصوم لا يجوز القتال بقوله ولا امتثال أوامره في الشرع ونواهيه مع عدم تيقن صوابها بطريق غير قوله، وكل إمام يجب القتال بقوله ويجب امتثال أوامره ونواهيه في الشرع، ومنه يعلم صواب بيانه وخطابه ينتج لا شئ من غير المعصوم بإمام أما الصغرى فلأن الالقاء باليد إلى التهلكة منهي عنه قطعا وامتثال أوامر غير المعصوم في القتال، وغيره لا يعلم أنه في سبيل الله ولا صوابه والمقطوع به مقدم على المضنون (3) وأما الكبرى فلأن فائدة نصب الإمام الجهاد، وهذا الأمر العظيم الذي وعد الله عليه من الثواب، ما وعد إذا لم يتوله الإمام فما فائدته، والإمام حافظ للشرع، فإذا لم يجزم بقوله فما فائدته.

الرابع والثلاثون: قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت

____________

(1) يجوز أن يكون دعاء غير المعصوم لله تعالى لكن الإصابة لا تتيقين إلا من المعصوم.

(2) لا على سبيل اليقين بل على سبيل الجواز فإنه قد تكون النجاة مع غير المعصوم ولكن من أين نحرزها يقينا.

(3) هذا فيما لو علم وجود المعصوم، فإنه عندئذ يكون قوله في قبال قول غير المعصوم من المقطوع به والمظنون إلا أن ذلك هو محل الكلام ومورد البرهان والاستدلال.


الصفحة 124
فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) هذا يدل على الرحمة التامة واللطف العظيم بالعباد وإرادة مصالحهم والشفقة عليهم من الله تعالى وأمر النبي صلى الله عليه وآله بمثل ذلك، ولا شئ من الشفقة والرحمة كنصب الإمام المعصوم المقرب إلى الطاعات يقينا والمبعد عن المعاصي جزما، وبه يحصل النعيم المؤبد والخلاص من العذاب السرمد فهل يجوز من مصدر هذه الرحمة والشفقة إهماله وعدم نصبه، وهل يجوز من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أمره بمثل هذه الشفقة التامة والرحمة العامة عدم الوصية وعدم نصب المعصوم وإهمال هذا مع هذه الرحمة والشفقة مما لا يجتمعان.

والثاني: ثابت فينتفي الأول لا يقال هذا من باب الخطأ بيات والمسألة علمية برهانية لأنها أهم المصالح وبها يتم نظام العالم، لأنا نقول: بل هي برهانية من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإن اللين لهم والاستغفار والعفو عنهم واستعمال التواضع والأخلاق الحميدة معهم ليس في اللطف المقرب والمبعد كالمعصوم فإن المعصوم أصل وهذا زيادة وفضل يستحيل من الحكيم قصد اللطف، وأن يأتي بما هو مهم في هذا المعنى ويخل بالأصل بل هذا الخطاب الإلهي برهان لمي وبرهان أني (1) لأن إثبات الرحمة التامة والفضل العظيم وإرادة المنافع علة في نصب الإمام المعصوم الذي قد بينا وجوبه ولأنه أثبت أحد معلولي الرحمة والشفقة وإرادة التقريب من الطاعة والتبعيد عن المعصية، فثبت الآخر الذي هو نصب الإمام المعصوم الذي لا يتم فائدة ذلك إلا به، لا يقال: فرق بين الحسن والقبيح فإن فاعل الحسن لحسنه لا يلزم منه أن يأتي بكل حسن وتارك القبيح لقبحه يلزم منه ترك كل قبح فإن أكل الرمان لحموضته لا يلزم منه أكل كل حامض بخلاف تاركه لحموضته بل قد وقع في الثاني نزاع بين المتكلمين ولهذا اختلفوا في صحة التوبة عن قبيح

____________

(1) البرهان اللمي ما كان الانتقال فيه من المعلول إلى العلة والأني ما كان الانتقال فيه من العلة إلى المعلول، والخطاب الإلهي هاهنا جمعهما معا من ثم أفاض طاب ثراه في بيان ذلك من الأمرين.