الصفحة 402
البعثة.

الثامن والسبعون: الإمام قائم مقام النبي صلى الله عليه وآله خليفته والغاية المراد من النبي بعده تحصل من الإمام فلا بد وأن يكون قد نصب الله الإمام بالحق بشيرا ونذيرا عن النبي كما أن النبي مبشر ومنذر عن الله تعالى فكما أن النبي صلى الله عليه وآله جميع ما يقوله ويأمر به وينهي عنه حق فكذا الإمام وغير المعصوم ليس كذلك فيستحيل أن يكون الإمام غير المعصوم.

التاسع والسبعون: قال الله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) وجه الاستدلال أن نقول هذه في تقدير شرطيته استثنى نقيض تاليها تقديرها كلما اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم لم يكن لك من الله من ولي ولا نصير لكن التالي محال لأن لك من الله وليا ونصيرا وإلا لانتفت فائدة البعثة وهذا بعينه وارد في حق الإمام لأن علة نفي الولي والنصير اتباع أهوائهم بعد ما جاء من العلم والإمام عنده علم النبي ولا لم يصلح له أن يقوم مقامه ولا أن يأمر الله تعالى بطاعته كطاعة الله ورسوله وكلما وجدت العلة وجد المعلول فتصدق مقدمات كل إمام له من الله ولي ونصير بالضرورة وإلا لانتفت فائدة نصبه وجعله إماما ولا شئ من غير المعصوم له ولي ونصير من الله بالامكان ينتج لا شئ من الإمام بغير معصوم ويستلزم قولنا كل إمام معصوم لأن السالبة المعدولة تستلزم الموجبة المحصلة عند وجود الموضوع.

الثمانون: قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منه شفعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون) أقول: وجه الاستدلال أن هذا الأمر لكل العالمين ومطلوب من كل المكلفين وإن كان في معرض الخطاب لبني إسرائيل لكن اتفق الكل على عموم خطابه لكل الأمم وأنهم مكلفون بذلك إذا تقرر ذلك فنقول غاية تكليف الأمة ودعوة النبي ونصب الإمام عليهما السلام لهذه المرتبة ولا يتم هذه المرتبة إلا بالاتيان بجميع ما أمر الله تعالى به والاحتراز عن جميع ما نهى عنه والنبي والإمام عليهما

الصفحة 403
السلام يدعوان الناس إلى هذه المرتبة وتحصيلها لهم إن قبلوا وحملهم عليها إن تمكنا منه فلا بد وأن يكون النبي والإمام عليهما السلام كذلك وإلا لناقض الله الغرض في نصبه.

نصبهم: ونقض الغرض على الله تعالى محال فيجب عصمة النبي والإمام (الأنبياء والأئمة عليهم السلام خ. ل) ويستحيل عليهم خلاف هذه المرتبة بشئ من الوجوه أو في شئ من الأشياء وإلا لعذر التابع لهم في ذلك والعاصي لهم ويكون له الحجة في أنهم غير معصومين وهو غير الغرض وخلاف نفي الحجة عن المكلفين فلا بد من عصمتهم وهو المطلوب.

الحادي والثمانون: كل غير معصوم بالفعل يصدر منه ذنب بالضرورة وكل من صدر منه ذنب ظالم بالفعل والآيات دالة عليه ينتج كل غير معصوم بالفعل ظالم بالفعل وكل ظالم بالفعل ليس بإمام دائما لقوله تعالى: (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) وقال إيجاب جزئي لأنه نكرة فلا يعم الأوقات فنقيضها سالبة كلية ومراد الله تعالى إثبات النقيض لأن إبراهيم طلب جعل إمام في ذريته وهو جزئي ولأن النكرة إذا دخل عليها النفي صارت للعموم وقد بين في علم الأصول والعموم في الأوقات هو الدوام والمراد بالعهد الإمامة وإلا لم يحسن ذكره في الجواب ولا يشترط في الدائمة الموجبة دوام صدق عنوان موضعها على ذات الموضوع فظهر من ذلك أن كل من صدر منه ذنب فهو ليس بإمام دائما وتنعكس بعكس النقيض إلى قولنا كل إمام لا يصدر منه ذنب دائما ولا نعني بالمعصوم إلا ذلك وهذا هو المطلوب وأيضا فإن النتيجة وهي قولنا كل غير معصوم بالفعل ليس بإمام دائما صادقة للزومها لمقدمتين حقيتين وصورة صحيحة حقة وما لزم عن الحق فهو حق فهذه النتيجة حق، فنقول أحد الأمرين لازم إما نفي الإمام دائما أو كون كل إمام معصوم لأنه لو ثبت إمام وهو غير معصوم لنال عهد الله تعالى ظالما وهو مناف للآية لعمومها الأوقات لأن نال نكرة وكل ظالم لأن قوله تعالى الظالمين جمع معرف باللام فهو يعم لما تقرر في الأصول وثبوت منافي الآية محال لأن الكذب عليه تعالى بالضرورة فثبت الأمرين لكن الأول

الصفحة 404
منتف بالضرورة لثبوت الإمام بإجماع الأمة ولوقوعه بالضرورة فتعين الثاني وكيف لا ويستحيل اجتماع جزئي مانعة الخلو على الكذب لا يقال هذا الدليل مبني على أن المراد بقوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين السلب العام لا سلب العموم وحده والخطاب محتمل لهما فترجيحكم لما ذكرتم ترجيح بلا مرجح لأنا نقول مطلوب إبراهيم عليه السلام في قوله ومن ذريتي الموجبة الجزئية بالضرورة فإنه لم يطلب إن كل ذريته يكونون أئمة وقوله صريح في ذلك لا يحتاج إلى البيان فنفاها عن كل من ثبت له هذا الوصف فكان إبراهيم طلب الإمامة لبعض ذريته وأطلق وكان شرط الإمامة انتفاء هذا الوصف لأنه يعاندها فنفى الله له (لها) عمن ثبت له هذا الوصف بأنه لا يصلح ونقيض الموجبة الجزئية السالبة الكلية أعني عموم السلب لا سلب العموم.

الثاني والثمانون: قال الله تعالى: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) الآية، وجه الاستدلال أنه حرم اتباع الشيطان بنهيه عنه ثم علل النهي بأنه يأمر بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون فيجب على المكلفين الاحتراز عمن يأمر بذلك مطلقا لوجود العلة وعدم طاعته واتباعه وغير المعصوم يمكن أن يأمر بذلك والممكن متساوي الطرفين ولا ترجيح وإن فرضنا حصول ترجيح فلا يحصل علم به بل إن فرض ظن فيمكن عند المكلفين أن يطابق ويمكن أن لا يطابق فيحصل للمكلف من اتباعه خوف ودفع الخوف الضرر واجب لما تقرر في الكلام فلا يجوز اتباعه فتنتفي فائدة الإمام ولأن اتباعه حينئذ ظني فهو قول على الله ما لا يعلمون لأن الظن يستلزم احتمال النقيض والعلم الجزم لا يحتمله وتنافي اللوازم يدل على تنافي الملزومات وقد نهي الله عنه فيكون اتباعه مستلزما للنهي عنه وكل ما استلزم النهي فهو منهي عنه فيكون اتباعه منهيا عنه فلو أمر به لزم تكليف ما لا يطاق وإذا نهى عن اتباع الإمام فأي فائدة فيه بل يمتنع نصبه بالمعنى الذي يراد من الإمام وهو أن يكون واجب الاتباع ويحرم عصيانه وتكون طاعته مساوية لطاعة النبي عليه السلام في وجوب الاتباع وهذا كله محال.


الصفحة 405
الثالث والثمانون: كيف يجوزان يخلق الله تعالى في المكلف شهوات داعية ومن يأمره بالسوء والفحشاء والقول على الله ما لا يعلم ثم يوجب عليه الاحتراز من ذلك ولا ينصب إماما ينهاه عن ذلك فيكون أمر هذا الإمام قد كلف الله بطاعته ويعلم المكلف أن هذا الإمام لا يخطئ بحيث يكون أمره بمثل هذا ينافي رحمة الله ورأفته بالمكلفين وقد نطق القرآن بأنه رؤوف رحيم في عدة مواضع صدق الله العظيم وإنما يحصل العلم من المعصوم فتعين نصب الإمام المعصوم وهو مطلوبنا.

الرابع والثمانون: عدم عصمة الإمام مستلزم للمحال وكلما هو مستلزم للمحال فهو محال، فعدم عصمة الإمام محال، إمام الملازمة فلأنه إذا أمر الإمام فامتثال المكلف أمره ونهيه قول على الله بما لا يعلم، لأنه إذا كان الإمام غير معصوم لم يفد قوله العلم لأنه لو كلف العلم بقول غير المعصوم وهو أن أفاد الظن فكلف بالمحال التكليف بالمحال محال، والقول على الله بما لا يعلم منهي عنه فيلزم من اتباعه عصيان الله ومن عدم امتثاله عصيان الله وإلا لانتفت فائدة الإمامة وكيف ينصب إماما ويكون اتباعه حراما وهذا محال تعالى الله عن ذلك ووجوب اتباعه فيما يعلم المكلف صحته يستلزم إفحام الإمام وهو مناف للغاية منه والكل محال ووجوب اتباعه وتحريمه يستلزم الجمع بين الضدين وهو محال بالضرورة فيجب عصمة الإمام فقد ثبت استلزام عدم عصمة الإمام المحال فيلزم أحد الأمرين إما أن ينصب إماما أو يستلزم المحال والأول باطل لما بينا من وجوب نصب الإمام ولأنه خلاف الواقع واستحالة الثاني ظاهر.

الخامس والثمانون: لو كان الإمام غير معصوم لزم اجتماع النقيضين واللازم باطل فالملزوم مثله بيان الملازمة أن الإمام دائما يجب اتباعه في أوامره ونواهيه وأفعاله وأقواله وتروكه فيما لم يعلم عدم وجوبه واعتقاد ما علم فيه ذلك وغير المعصوم بالفعل لا يجب اتباعه في بعض ذلك بالفعل في الجملة والدائمة الموجبة الكلية مع السالبة الجزئية المطلقة العامة تتناقضان أما الصغرى فلأنه تعالى قرن بطاعته وطاعة رسوله وساوى بينهما في قوله:


الصفحة 406
(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) والعطف يقتضي المساواة في الحكم المتقدم والرسول تجب طاعته في ذلك كله فكذلك الإمام ثم يتحقق المساواة ولأنه لولا المساواة لكان هذا الأمر مجملا لم يرد بيانه، والخطاب بالمجمل من غير بيان لا في وقت صدوره ولا في مستقبله يستلزم العبث أو تكليف ما لا يطاق وهما على الله محالان، وأما الكبرى فلأن غير المعصوم بالفعل يستلزم كونه متبعا لخطوات الشيطان في الجملة فيجب ترك اتباعه في ذلك وإلا لزم اتباع خطوات الشيطان لأن التابع للتابع فيما يتبع فيه المتبوع تابع لذلك المتبوع في ذلك الشئ والنهي عن اتباع خطوات الشيطان يتناول اتباع من اتبعه فيها فيصدق الموجبة الكلية الدائمة مع السالبة الجزئية الفعلية مع الوحدات الثمان فيجتمع النقيضان وهو المطلوب وأما استحالته فضرورية.

السادس والثمانون: قوله تعالى: (كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) وجه الاستدلال أن نقول أحد الأمرين لازم إما عصمة الإمام أو ثبوت حجة المكلفين على الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا، مانعة خلو عنادية دائمة موجبة لكن الثاني منتف فثبت الأول بيان الملازمة إن الله تعالى أمر بالتقوى في عدة مواضع في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبالجملة في هذه الآية دلالة صريحة على طلب التقوى منهم ثم جعل فعل التقوى متأخرا عن بيان الآيات ومنوط به ومع وجود المتشابه والمجمل والظاهر فلا بد من معصوم لانتفاء البيان في النص في كل زمان يبين للناس في القرآن والسنة فلا يحصل البيان يقينا بذلك وغير المعصوم من طريق الالهام للناس كافة أو خلق العلوم الضرورية فيهم لم يوجد وجعل في واحد أو طائفة لا يحصل اليقين بقولهم إلا مع عصمتهم وهذا ليس بمختص بوقت دون وقت أو أرض أو عصر دون عصر بل هو عام لكل عصر فيه المكلفون والظن منهي عن اتباعه في القرآن المجيد فلولا وجود المعصوم المبين للآيات الذي يحصل بقوله اليقين لم يحصل ما نيط به التقوى وجعله هو عبارة عن إزاحة العلة وكان للمكلف يوم القيامة أن يقول أمرتني بالتقوى وجعلت التقوى منوطة بالبيان

الصفحة 407
ونهيتني عن اتباع الظن ولم تجعل لي طريقا إلى البيان فثبت حجته وأما بطلان التالي فإنه تعالى قال لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

السابع والثمانون: قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أمول الناس بالإثم وأنتم تعلمون)، نبأ الله عز وجل في هذه الآية عن شيئين:

أحدهما: إن علم المكلف بالتحريم والوجوب لا يكفي عن صرفه عن الحرام وفعله بالواجبات.

وثانيهما: الفساد اللازم في الحكام الذين ليسوا بمعصومين هو شيئان:

أحدهما: إنهم لا يرتدع بهم المكلفون فلا مدخل لهم في اللطف ولا يتم اللطف بقولهم كما تقدم.

وثانيهما: أنهم يساعدون على الظلم وفعل المحرمات فيحصل منهم ضد اللطف من الإمام فيكون ترك المكلف على العلة الطبيعية خيرا من نصب إمام غير معصوم وهذا التقدير كاف في وجوب عصمة الإمام.

الثامن والثمانون: قال تعالى: (إن الله لا يحب المعتدين) أقول:

الحاكم غير المعصوم معتد بالفعل وكل معتد بالفعل لا يحبه الله تعالى ينتج الحاكم غير المعصوم لا يحبه الله وكل من لا يحبه الله فهو غير متبع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى: (فاتبعوني يحببكم الله) جعل اتباعه موجبا لمحبة الله وإلا لم يتم التحريض على اتباعه ولزم نقض الغرض من بعثته وينعكس بعكس النقيض ويلزمه كل من لا يحبه الله فهو غير متبع للنبي لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم وهما ينتجان الحاكم غير المعصوم غير متبع للنبي عليه السلام في الجملة بل يخالفه بالفعل وكل من اتبع غير متبع النبي في الجملة بل هو مخالف له بالفعل في الجملة فهو غير متبع للنبي في الجملة بل مخالف للنبي في الجملة فيكون اتباع غير المعصوم قبيحا في الجملة وكل ما لا يعلمه المكلف فاتباعه فيه يحتمله ذلك فيجب الاحتراز عنه والإمام لا يجوز أن يكون كذلك وإلا لانتفت فائدته ولزم إفحامه وكل ذلك نقض الغرض وهو

الصفحة 408
على الله تعالى محال فيستحيل أن يكون الإمام غير معصوم.

التاسع والثمانون: قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، أقول هذه الآية تدل على شيئين:

الأول: أنه يجب القتال لارتفاع الفتنة والإجماع واقع على عموم هذا الخطاب في زمن النبي صلى الله عليه وآله والإمام بعده على المكلفين كافة ولا يمكن إلا بوجود رئيس قائم مقام النبي والغرض من القتال المأمور به نفي الفتنة وكون الإمام الذي هو أمر بالقتال ويجب على المكلفين طاعة غير معصوم قد يوجب الفتنة فمحال أن يكون الإمام غير معصوم وإلا لم يجب اتباعه.

الثاني: أن يكون الدين كله لله أي لا يبقى كافر ولا مشرك ولا مخالف للحق وذلك لم يقع في زمان النبي صلى الله عليه وآله والصحابة ولا بد من وقوعه وإلا لم يحسن جعله غاية للتكليف لأنه إذا كان ممتنع الحصول أو كان دائم السلب لا يحصل جعله غاية للأفعال المكلف بها ولا بد وأن يكون الأمر بهذا القتال والرئيس فيه القائم مقام النبي صلى الله عليه وآله هو المعصوم وإلا لزم الفتنة لأنه غيره يقع من قتاله الفتنة فيستحيل من الحكيم أن يجعل غايته نفي الفتنة لأنه من باب جعل غير السبب مكانه وهو من الأغلاط وذلك هو الإمام المهدي صلوات الله عليه لانتفاء هذه التقسيمات في غيره إجماعا وهذه الآية تدل على عصمة الإمام وعلى وجوده وظهوره وظهور صاحب الزمان صلوات الله عليه.

التسعون: لا شئ من الإمام يباح الاعتداء عليه بالضرورة وإلا لانتفت فائدة نصبه ووقع الهرج والمرج واختل نظام النوع وكل غير معصوم يباح العدوان عليه في الجملة لأنه ظالم في الجملة وكل ظالم يباح العدوان عليه لقوله تعالى: (فلا عدوان إلا على الظالمين) وهو عام بالاجماع ينتج دائما لا شئ من الإمام بغير معصوم بالفعل وهو المطلوب.

الحادي والتسعون: الإمام متبع أمر الله تعالى فطاعته كطاعة النبي عليه

الصفحة 409
السلام في قوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) فيكون أمره وفعله ونهيه وتقريره حجة فلا بد أن يكون صحة ذلك معلوما منه للمكلف وإلا لثبت الحجة للمكلف ولم يكن نصبه إزاحة لعلته لقوله تعالى ومن الناس من يعجبك قوله الآية فغير الإمام يمكن أن يكون كذلك وظاهر حاله ومقاله وفعاله لا يدل على نفي ذلك بنص الآية المذكورة ومتابعته مثل هذا ضرر مظنون فيجب الاحتراز عنه لأن رفع الخوف واجب عقلا وهو ينافي وجوب اتباعه مطلقا من غير قانون مفيد لمعرفة فنفي ذلك عنه لينتفي الضرر المظنون من اتباعه وليس ذلك إلا العصمة وهو ظاهر فيجب أن يكون الإمام معصوما وهو المطلوب.

الثاني والتسعون: قوله تعالى: ((وإذا تولى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد)) أقول يستحيل من الحكيم أن يقرن طاعة شخص بطاعته وطاعة رسوله ويمكنه تمكينا تاما ويوجب على كل من سواه في زمانه اتباعه ويمكن فيه هذه الأحوال لأنه تعالى ذكرها في معرض الاحتراز عنه وتقوية يده يوجب المماثلة له في ذلك وغير المعصوم يمكن فيه هذه الأحوال فيستحيل أن يكلف الله تعالى باتباعه ويقرن طاعته بطاعته فيستحيل أن يكون إماما فيجب عصمة الإمام وهو المطلوب.

الثالث والتسعون: قال الله تعالى: (والله رؤوف بالعباد) وجه الاستدلال أن يقال رأفته تعالى يستحيل أن يجعل الرئيس المطاع كطاعة النبي من يمكن فيه هذه الأحوال المتقدمة التي ذكرها الله تعالى وغير المعصوم يمكن فيه ذلك وليس للمكلف طريق إلى معرفة انتفائه باليقين فرأفته تعالى بعباده توجب أن لا يكون الإمام غير معصوم وهذا هو المطلوب.

الرابع والتسعون: قوله تعالى: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعملوا أن الله عزيز حكيم) ذكر تعالى في هذه الآية وجه إزاحة علة المكلفين وحجتهم وأنهم لا عذر لهم بعد مجئ البينات فدل على ثبوت عذرهم وعدم توجه الالزام عليهم مع مجئ البينات إليهم وإمامة غير المعصوم

الصفحة 410
بنفي البينات لإجمال كثير من الآيات وكثير من الآيات والسنة دلالته بالظاهر لا بالنص ومع ذلك يكون المبين الذي هو الإمام فإنه القائم مقام النبي صلى الله عليه وآله في البيان وغيره يحتمل خطاؤه بمعنى الجهل المركب وذلك نفي مجئ البينات فيكون إثباتا لعلة المكلف وحجته لا إزاحة علته وهذا المحال نشأ من عدم البينات في ظواهر الآيات ومجملها وكذا في السنة ومن عدم عصمة الإمام والأول ثابت فيلزم نفي الثاني وإلا لكان الله تعالى ناقضا لغرضه وهو محال من الحكيم ونفي عدم عصمة الإمام مستلزم لعصمته لوجود الموضوع هنا وهو المطلوب.

الخامس والتسعون: قال الله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وجه الاستدلال أن معرفتهم لذلك لطف لهم لوجود الداعي إلى الشر وهو المحبة وانتفاء الصارف وهو علم كونه شرا ووجود الصارف عن الخير وهو انتفاء الداعي وهو العلم لأنه حكم بأن الله يعلم وأنتم لا تعلمون فلا بد من شيئين:

أحدهما: من يعلم ذلك ليعلمهم ذلك.

وثانيهما: من يمنعهم مما يضرهم ويحثهم على ما ينفعهم لأن ذلك لطف واللطف على الله تعالى واجب فإن لم يكن معصوما كان مساويا لهم في الحاجة وهو محال لأنه يلزم إقامة غير السبب بل قد يكون سبب ضده مقامه وهو محال فتعين أن يكون معصوما وهذا حكم عام في كل زمان ومحال أن يخلوا زمان من اللطف وإلا لزم الترجيح بلا مرجح ولا يمكن ذلك في النبي لكونه خاتم الأنبياء ولم يعمر فتعين أن يكون الإمام لأنه القائم مقامه فالإمام معصوم فلا يخلوا منه زمان وهو المطلوب.

السادس والتسعون: قال الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) وجه الاستدلال أن كل فاعل لذنب فهو متعد لحد من حدود الله وكل متعد لحد من حدود الله فهو ظالم ينتج كل فاعل ذنب ظالم أما

الصفحة 411
الصغرى فضرورية وأما الكبرى فللآية ثم نقول كل فاعل ذنب ظالم ولا شئ من الظالم يجوز الركون إليه لقوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) ينتج لا شئ من فاعل الذنب يجوز الركون إليه وكل إمام يجوز الركون إليه وهذه مقدمة ضرورية لأن فائدة الإمام ذلك فإنه تعالى أوجب طاعته كطاعة الله وطاعة الرسول وهما عامتان فيحب أن يكون طاعة الإمام عامة وجوبا ولا معنى للركون إلا ذلك بل هو الركون الكلي والمنفي الجزئي على سبيل التحريم وبينهما منافاة كلية ذاتية وهو مطلوبنا.

لا يقال: الموضوع: في الآية كل واحد واحد ممن يتعدى كل حدود الله لأن لفظة حدود جمع وهو مضاف والجمع المضاف للعموم والموضوع في كبرى القياس الأول المتعدي لحد من حدود الله وفرق متعدي الكل ومتعدي حد واحد فلا تدل الآية عليه فيتوجه منع الكبرى ومبني دليلكم عليها.

لأنا نقول: المراد في الآية بالحدود الجنس فمن تعدى حدا واحدا تناوله الحكم وهذا بالاجماع ولأن العلة هو الوصف وهو تعدي حكم الله تعالى والعلة موجودة في الواحد ووجود العلة يستلزم وجود المعلول.

السابع والتسعون: ولأن الله ذكر عقيب قوله: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله) فتلك حدود الله حكم للمفرد وهو جنس خاص فمن ثم جاز وصف المفرد بالجمع من حيث إنه جنس خاص وفاعل الذنب جنس خاص أيضا وصح وصفه بها فدل على أن الحدود جنس وليس الحكم مختصا بالكل من حيث هو كل ولأنه تعالى أراد أن يبين حكم الافتداء فلو لم يكن المراد من الحدود الجنس بل المراد الكل من حيث هو كل لكان من قبل جعل ما ليس بدليل دليلا ولكان ذكر القياس غير متحد الوسط وهو ممتنع على الحكيم.

الثامن والتسعون: قوله تعالى: (من يعمل سوءا يجز به) إلى قوله (لا يظلمون نقيرا) غاية نصب الإمام كونه لطفا للمكلفين في تحصيل

الصفحة 412
هاتين المرتبتين:

أحدهما: أن يجتنب جميع المعاصي.

وثانيهما: أن يفعل جميع الطاعات ولا يقم ذلك إلا بالمعصوم لأنه لو لم يكن الإمام معصوما لساوى غيره فلا يندفع حاجة المكلف به لأن وجه الحاجة عدم العصمة فإذا تحققت في الإمام لم يصلح لدفع الحاجة ولأنه لو كفى غير المعصوم لم يحتج إلى إمام لمساواة المكلف الإمام ولاستلزامه الترجيح بلا مرجح.

التاسع والتسعون: هذه الآية المذكورة في الوجه المقدم بلا فصل دلت على أن من فعل سوء يجز به ومن فعل طاعة أثيب عليها فلا يخلو أما أن يتوقف على إعلام المكلف الفعل وصفته أولا والثاني محال وإلا لزم تكليف الغافل والأول أما أن يكون العلم بديهيا أو كسبيا والأول منتف بالضرورة فتعين الثاني فأما أن يكون عقليا أو نقليا والأول منتف عند أهل السنة والجماعة وعندنا يوجد في بعض الأحكام وهو ما علم بالضرورة وهو نادر جدا وليس من الفقه والثاني أما أن يكفي فيه الظن أولا والأول باطل لأنه تعالى ذم المتبع للظن في مواضع ولقوله تعالى إن الظن لا يغني من الحق شيئا، ولأنه لو اكتفى بالظن، لكان ذلك الظن أما ممن كلف بالاجتهاد ويلزم منه الحرج العظيم في تكليف جميع المكلفين بالاجتهاد في الأحكام الجزئية الفرعية وهو محال وينفي بقوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج ولأنه يلزم إفحام الإمام لأنه إذا أمر المكلف بشئ يقول لا يجب على امتثال قولك من إلا إذا أدى اجتهادي إليه وإن اجتهادي لم يؤد إليه فيلزم إفحام الإمام من كل من أراد الإمام إلزامه بشئ ينفي وهو فائدة الإمامة ولأنه يلزم أن يكون كل مجتهد مصيبا وهو باطل لما بين في الأصول وأما من غيره وهو ترجيح بلا مرجح مع تساويهما ولأن الحجة للمكلف ثابتة حينئذ فتعين الثاني وهو أن يكون الطريق المؤدي إلى الأحكام يفيد العلم وهو إما أن يكون بوجود من علم وجوب عصمته بحيث يمكن أن يستفاد منه الأحكام يقينا أو غيره والثاني منتف للإجماع على أن مثل هذا لم يوجد فلو لم يكن الأول موجودا لانتفى الطريق

الصفحة 413
المفيد للعلم وهو باطل لما قلنا وهو المطلوب وهذا هو مذهب الإمامية فإنهم يقولون الأحكام مستفادة من النبي عليه السلام والصلاة لأنه المبلغ للقرآن والمفسر له والمبين لحكمه ومتشابهه والسنة يعلم منه يقينا وبالجملة ما دام النبي موجودا يتمكن المكلف من الوصول إلى العلم فإذا مات النبي صلى الله عليه وآله وجد بعده إمام واجب العصمة يفيد قوله العلم وهكذا كل إمام يفوت يوجد بعده آخر واجب العصمة إلى انتهاء الدنيا فدائما يحصل العلم بالأحكام للمكلفين وهذا طريق إذا جرد الإنسان ذهنه وفكره عن العناد وجرد طرفي المطلوب عما يعرض بسببه الغلط فإنه يعلم صحة هذا الطريق وفساد غيره وإن الحكيم الكامل لا يصدر منه إلا الكمال وإن هذا هو الطريق الأكمل والدين الأقوم الذي لا يعتريه شك.

لا يقال: الحاجة إلى الإمام منتفية بقوله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فلو لم يكف الرسول عن الإمام لكان للناس حجة على الله بانتفائه مع وجود الرسول لكنه نفي الحجة مع ثبوت الرسول وهذا يدل على أنه تمام ما يتوقف عليه التكليف أي لا يتوقف على شئ آخر بعده فأقل مراتبه أن يكون هو الجزء الأخير فلا يكون الإمام شرطا في شئ ولأن دليلكم هذا يلزم منه أحد أمور ثلاثة إما ارتفاع التكليف مع عدم ظهور الإمام للمكلفين أو إخلاله تعالى باللطف ويلزم منه نقض غرضه أو بطلان هذا الدليل على تقدير صحته وهو يستلزم اجتماع النقيضين واللازم بأقسامه باطل فالملزوم مثله والملازمة وبطلان التالي طاهران فيبطل دليلكم.

لأنا نقول: أما الجواب عن الأول في الآية اضمار تقديره لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وتشريعهم الأحكام وبيانهم الحلال من الحرام ونصب الأدلة والبراهين وجميع ما يحتاج إليه المكلفون في علمهم وعملهم لأنه لولا ذلك لم يكن في نصب الرسول فائدة ولأن مجرد وجود الرسول بلا نصب الأدلة وتشريع الأحكام لا ينفي الحجة قطعا وفي جملة الأدلة ووجوه الارشاد للعباد نصب الإمام وفي الأحكام وجوب طاعته وبيانه عليه السلام ذلك بنص جلي وعن الثاني يمنع الملازمة لأن الواجب عليه تعالى

الصفحة 414
نصب الإمام والدلالة عليه وإيجاب طاعته وعلى الإمام القبول وعلى المكلفين طاعة الإمام ونصرته والجهاد معه وذلك ليس من فعله تعالى على سبيل الاجبار لهم لأنه ينافي التكليف فالمكلفون تبعوا أنفسهم كما أن المكلف يعصي بترك الواجب من الصلاة والصيام.

لا يقال: إن غيبة الإمام ليست من كل المكلفين بل من بعضهم فذلك البعض الآخر أما أن ينفي مكلف أولا والثاني ينفي التكليف عمن لم يكن له مدخل في منع الإمام وإلا أوجب غيبته وهو محال إجماعا والأول أما أن يكلف بالعلم وهو باطل وإلا لزم تكليف ما لا يطاق فبقي أن يكفي الظن فيم لا يكفي ابتداء لأنا نقول الاكتفاء بالظن هنا رخصة وهو طريق ناقص لا يفعله الله ابتداء من تقصير المكلفين والمعارضة بقتل الأنبياء ولا خلاص من هذه المعارضة.

المائة: قوله تعالى: (هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا) اعلم أن تفصيل الكتاب لم يعلمه بالحقيقة والتحقيق في كل الأحكام إلا المعصوم لأن مجملاته كثيرة والاجتهاد لا يفيد إلا الظن ولا يحصل اليقين في دلالته على كل حكم إلا المعصوم لأنه العالم بما يراد بالمجمل منه حقيقة واعلم أن الحكم المفصل هو بمنزلة كبرى الدليل الدال على حكم كلي وأمور واقعة والصغرى شخصيتها فيكون كليا وهذه جزئية.


الصفحة 415

المائة العاشرة

الأول: قال الله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسنا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) اعلم أن الفواحش علم لا يعلم تفصيلها بالتحقيق إلا بالمعصوم لاختلاف الأمة وليس ترجيح قول بعض المجتهدين أولى من العكس والترجيح بلا مرجح محال.

الثاني: قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) أقول المراد هنا بالحق الحق المعلوم يقينا فعلى هذا الحدود والقصاصات لا تجوز إلا بالاستظهار التام وهو مبني قول الإمام فإن الحدود إليه والقصاص هو الذي يأمر به فإن لم يكن معصوما لم يحصل الاحتياط والعلم بقوله فدل على إن الإمام يجب أن يكون معصوما.

الثالث: قوله تعالى: (ذلكم وصكم به لعلكم تعقلون) أقول هذا تأكيد لما سبق فيجب في ذلك الاحتياط وإنما يتم بالمعصوم.

الرابع: قال الله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده) أقول هذا نهي عن إثبات اليد على مال اليتيم ثم استثني إلا بالتي هي أحسن فهذا الاستثناء للإمام لا لغيره ولا يجوز لغيره التصرف فيه

الصفحة 416
فغير المعصوم لا يؤمن عليه ولا يعلم وجه الأحسن ولا ولاية له عليه لمساواته غيره لو لم يكن معصوما فلا بد من إمام معصوم وهو المراد.

الخامس: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) كل غير معصوم يمكن أن يكون كذلك ولا شئ من الإمام يمكن أن يكون كذلك بالضرورة.

السادس: قوله تعالى: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) أقول ذكر ذلك مدحا لمن يقتل في سبيل الله أو يموت في سبيل الله وهذا المدح لا يختص بأهل زمان النبي بل هي عامة لكل الأزمان التي فيها إمام فإن هذا لطف عظيم في حق المكلف فلا يختص بأهل زمان دون زمان وأيضا الاجماع من المسلمين على عمومها للأزمان التي فيها إمام وذلك الإمام هو الآمر بالقتال الذي إذا قتل فيه المؤمن كان في سبيل الله ولا يتحقق ذلك إلا مع عصمة الإمام فإن غير المعصوم لا يؤمن على سفك الدماء ولا على قتل النفس.

لا يقال: هذا مع غيبة الإمام لا يحصل ولا مع كف يده.

لأنا نقول: الغيبة وكف يد الإمام إنما هو من المكلفين لا من الله تعالى فهم منعوا أنفسهم من اللطف.

السابع: قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) أقول هذا يدل على عصمة الإمام من وجهين:

أحدهما: اتباع الشيطان مطلقا ولو في شئ ما محذور ويكرهه الله ومراد الله تعالى أن لا يتبع الشيطان البتة في شئ من الأشياء لأن اتبعتم نكرة وهي في معرض النفي للعموم والإمام منصوب للدعاء إلى الله تعالى في جميع ما يريده وحمل الناس عليه بحيث لا يخل المكلف بشئ منه أصلا والباتة إن أطاع المكلف الإمام ولو لم يكن الإمام متصفا بهذه الصفة لكان إيجاب طاعته على المكلف مع مساواته إياه ترجيحا بغير مرجح وكان إيجاب طاعته له

الصفحة 417
ليحصل ما لم يفعله بنفسه لغيره من الحكيم محال.

وثانيهما: إن لولا يدل على امتناع الشئ لوجود غيره وفضل الله تعالى هو المانع للمكلفين من اتباع الشيطان فأما بإمام معصوم أو بغيره والثاني لم يوجد فدل على الأول، لا يقال جاز أن يكون الفضل بالتكليف وخلق العقل والدلالة على القبيح ليحترز عنه وعلى الواجب ليفعله وذلك كاف لأن حصول ذلك مشروط باتباع المكلف وطاعته للآمر فلا يحتاج إلى توسط الإمام لأن الإمام لا يكرهه وإلا لنا في التكليف فإن سمع أوامر الله تعالى وأطاع حصل مقصوده وإلا فكما لا يسمع لله لا يسمع للإمام.

لأنا نقول: في الإمام فوائد إحداها إعلام المكلفين المجمل والمتشابه وثانيهما الحكم بينهم فيما اختلفوا فيه لقوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر)، ويجب عليهم الاتباع، وثالثها الجهاد والقتال وإقامة الحدود فإنها من أعظم الروادع ورابعها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمعاقبة عليه من غير لزوم إكراه لتجويز المكلف عدم علم الإمام ولا يتصور ذلك في حق الله تعالى فقد ظهر أن لا يتم ذلك إلا بإمام معصوم ولأن غير المعصوم من الطرف لم يجعله الله تعالى لأنه التقدير للآية المتقدمة فقد علم أنه لا بد من إمام.

الثامن: قوله تعالى: (والله أركسهم بما كسبوا) كل غير معصوم يمكن أن يكون كذلك ولا شئ من الإمام كذلك بالضرورة ينتج لا شئ من غير المعصوم بإمام بالضرورة أو دائما وعلى كل واحد من التقديرين فالمطلوب حاصل.

التاسع: قوله تعالى: (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) المراد قوله يضلل الله عدم خلق الهدى أو عدم إعطاء لطف زائد على ما هو شرط المكلف (التكليف) إذا عرفت ذلك فنقول: وجه الاستدلال أن كل غير معصوم كذلك بالفعل ولا شئ من الإمام كذلك بالضرورة فلا شئ من غير المعصوم بإمام بالضرورة.


الصفحة 418
لا يقال قوله تعالى: (ومن يضلل الله) إلى آخره هذه شرطية والشرطية لا تستلزم وقوع الطرفين كقوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدنا) مع عدم وقوع أحدهما وذلك لأن المقصود نفس الملازمة والمقدم والتالي حال كونهما جزئي المتصلة ليسا بقضيتين بلا تعريضهما الوقوع وعدمه إلا باستثناء ولم يذكر وأيضا المقدم هو ومن يضلل الله وغير المعصوم لا يلزم أن يكون بإضلال الله ومطلق الاضلال أعم من إضلال الله تعالى واستلزام الخاص لأمر لا يستلزم استلزام العام إياه.

لأنا نقول: الجواب عن الأول إن المحذور الضلال وهو ممكن الوقوع فمن غير واجب العصمة هو بالامكان ومن غير المعصوم بالفعل واقع في الجملة منه بالفعل وأما صدور الاضلال من الله تعالى عند الإمامية والمعتزلة فمحال وأما عند أهل السنة فجائز واقع لأن كل واقع فاعله الله تعالى عندهم فلو كان الإمام غير معصوم بالفعل كان الضلال فيه موجودا فعند أهل السنة إنه منه تعالى فيكون المقدم واقعا وأما المعتزلة فالضلال هو المحذور سواء كان من الله تعالى أو من غيره فإنه هو المستلزم للتالي وهو الجواب عن الثاني فإن المستلزم للتالي هو الضلال فإن الضال ليس على طريق الصواب في ضلاله فإذا كان الإمام ضالا في شئ ما عرف منه أن عقله ونفسه لا يقتضي ركوب طريق الصواب لأن كلما جاز مجامعة النقيضين فإنه لا يصح أن يقتضي أحدهما بذاته بل بأمر زائد فإذا لم يعلم حصوله له لم يعلم ارتكابه لطريق الصواب وإذا جوز المكلف ذلك لم يبق له وثوق وقد ذكر هذا البحث مرارا وهو بديهي.

العاشر: قال الله تعالى: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لا شئ من غير المعصوم كذلك بالفعل وكل إمام فهو كذلك بالضرورة فلا شئ من غير المعصوم بإمام بالضرورة عند قوم ودائما عند آخرين وهو المطلوب، أما الصغرى فلأن نفي الخوف والحزن يقتضي العموم في الأفراد والأزمان لأنه نكرة في معرض النفي وقد ثبت في أصول عمومه وإنما يكون عاما لو لم يخل

الصفحة 419
بواجب ولا فعل محرما وإلا لكان عليه خوف لأنه يستحق العقاب الأخروي فكل من عليه عقاب فعليه خوف وهذا معلوم عند كل عاقل بالضرورة إذا رجع عقله وعرف الله تعالى وعرف استحقاق العقاب على فعله فإنه يخاف ضرورة.

الحادي عشر: قوله تعالى: (إذ تبرأ الذين اتبعوا) الآية، أقول كل غير معصوم متبع يمكن أن يكون كذلك ولا شئ من الإمام الذي أوجب الله تعالى طاعته كذلك بالضرورة ينتج لا شئ من غير المعصوم المتبع بإمام بالضرورة على قول أو دائما على قول فالمطلوب حاصل على كل تقدير.

الثاني عشر: اتباع الضال في ضلالة يحصل منه العذاب الأخروي للمتبع وإن كان المتبع جاهلا بحال المتبع لهذه الآية وكل من يحصل العقاب باتباعه لا يحصل النجاة باتباعه في كل أوامره ونواهيه والإمام الذي افترض الله طاعته يحصل النجاة باتباعه في كل أوامره ونواهيه فالإمام الذي افترض الله طاعته لا يكون ضالا في شئ من أوامره ونواهيه ولا في أفعاله وإخباراته وتروكه وإلا لم يحصل الوثوق بحصول النجاة باتباعه وذلك هو المعصوم فيلزم أن يكون الإمام معصوما.

الثالث عشر: قال الله تعالى: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) وجه الاستدلال أن هذه الآية الشريفة الكريمة دلت على ذم كل من أبتغي غير دين الله في حكم من أحكامه أي حكم كان فكل من خالف حكما من أحكام دين الله فقد ابتغى غير دين الله في ذلك الحكم وكل من أبتغي غير دين الله في أي شئ كان فهو مذموم مستحق للعذاب والإمام إنما أوجبه الله ليعرف المكلف دين الله ليتبعه ويأبى اتباع غير دين الله في شئ ما ومخالفة دين الله مطلقا ويحصل له اتباع أحكام دين الله التي افترضها على عباده وقررها لهم وإنما يحصل ذلك بكون الإمام معصوما فيشترط في الإمام العصمة وإنما يحصل للمكلف الوثوق والأمن من الخوف باتباعه وخصوصا فيما بناه الله تعالى على الاحتياط التام كالفروج والدماء بوجوب عصمة الإمام فيجب أن يكون الإمام معصوما وإنما